{إنَّ الصَّفا} : جبل بمكة ، وأصله جمع صفاة وهي الصخرة الملساء ، وقيل الحجر الصافى .
{والمرْوةَ} : جبل بمكة وأصله الرخو ، والثلاثة فصاعدًا مرو ومروات وأل فيهما اللمح الأصل ، فهما علمان على الجبلين الصغيرين الواقعين في طرفى المسعى .
{مِنْ شَعَائرِ الله} : أي من الأشياء التي هي علامات دين الله D فإن الشعائر جمع شعيرة وهي العلامة ، من قولك: شعرت بالشيء ، أي علمت به ، وشعر الشيء فهو شعيرة ، أي علامة ، وكل ما كان معلما يتقرب به إلى الله من صلاة ودعاء وذبيحة وغير ذلك فهو شعيرة ، وشهر استعمالها في مواضع أداء الحج ، كالصفا والمروة وما بينهما ، وعرفات ومنى والمزدلفة ، وتفسير الشعائر بالحرمات تفسير بما في نفس الأمر لا تفسير بمعناه اللغوي ، وقال مجاهد: معنى قوله: {من شعائر الله} ، مما أشعركم الله بفضله ، فهو من الإشعار بالكلام ، ومن كلمك بشيء فقد أشعرك به ، وشعرت به أحسست به من سمعى ، وشعرت أحسست بإحدى المحسات .
{فمن حج البيت} : أي من قصد الكعبة بإحرام ، والذهاب لمنى والوقوف بعرفات ، والمبيت بالمزدلفة ، والرمى والسعى والطواف والذكر في ذلك كله ، وظهر لك بهذا أن الحج في الآية لغوي صادق على الشرعي ، بدليل تعديته إلى البيت بنفسه ، ووجه ذلك أن اللغوي أعم ، والشرعي أخص ، والعام يصدق بالخاص ، فلو قلت: الإنسان حيوان لصدقت ، بمعنى أن فيه حياة ، وكان إخبارًا لا تعريفًا تامًا ، بل كل جزء من الحج الشرعي وهو الإتيان بما ذكرت من الإحرام وما بعده حج لغوي ، لأنه مقصود ، واللغوي قصد ، وإنما ذكر البيت وحده مع أن تلك المواضع المذكورة والمشار إليها كلها تقصد ، لأنها تقصد مرتبة على شأن البيت وتعظيمه
{أو اعْتَمر} : أي اعتمره إذا زاره ، أعنى البيت بمعنى أنه زار الكعبة بإحرام وسعى وطواف وذِكر ، فالاعتمار لغوي أيضًا صادق بالشرع صدق العام بالخاص ، مستعملا في الخاص على حد ما مر في الحج .
{فلا جُناحَ عَليْه} : لا إثم عليه ، وأصله من جنح إذا مال عن حق أو باطل ، أطلق على الإثم ، لأن فيه ميلا عن الحق ، وهو ( بضم الجيم ) ويحتمل أن يكون من معناه ومادته جناح الطائر ( بفتح الجيم ) ، لأنه في جانب مائل عن الجانب الآخر وعن ربط الظهر .
{أنْ يَطَّوَّف بهِما} : أي يدور بهما ويسعى بينهما ، فإن الطواف والدوران ، كما يطلقان على الإحاطة بالشيء من جوانبه ، يطلقان على التردد عليه ، أو بينه وبين الآخر ، والباء للإلصاق ، وأصل يطوف يتطوف أبدلت التاء طاءً وسكنت وأدغمت في الطاء . وقرئ يطوف ( بفتح الياء وضم الطاء خفيفة وإسكان الواو ) . وقال القرطبى في تفسيره: ذكَّرَ الصفا لأن آدم وقف عليه ، وأنث المروة لأن حواء وقفت عليها ، ويعني بتذكير الصفا كونه بلا تاء ، وقد كان يمكن أن يكون بالتاء تسمية بالمفرد ، ويعني بتأنيث المروة كونه بالتاء ، ويجوز أن يكون تذكير الصفا لأنه كان عليه إساف ، وهو اسم صنم ، ولا علامة تأنيث في إساف ، وأنث المروة لأنه كان عليه نائلة وهو اسم صنم ، وفيه علامة التأنيث وهي التاء ، زعم أهل الكتاب أن إساف نائلة رجل وامرأة زنيا في الكعبة ، فمسخا حجرين ، وجعل إساف على الصفا وجعلت نائلة على المروة ، ليعتبر بهما ، فلما طالت المدة عُبدا من دون الله ، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوا بهما ، فلما جاء الإسلام ، وكسر الأصنام ، تحرج المسلمون أن يطوفوا بينهما ، فنزلت الآية .