{قاتِلُوا الَّذينَ لا يُؤمنُون بالله ولا باليَومِ الآخِرِ} هم أهل الكتاب كما بينه الله بعد ، وهذا من الدلائل القوية على أنهم مشركون ، حيث وصفهم بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، فإنهم ولو أقروا بهما لكن لا كما ينبغى ، فإن اليهود قالوا: عزير ابن الله ، والنصارى قالوا: إن الله ثالث ثلاثة ، فذلك مبطل لإيمانهم بالله ، فإن لفظ الجلالة يتضمن الانفراد بالذات ، والفعل ، والصفة ، وهم عدَّدوه وشبَّهوه ، إذ جعلوه والدا فذلك انكار له ، وإنما صفة الإيمان به ، أن يؤمن به منفردا بذلك ، وقد قالوا: بأنه جسم ، وقالت اليهود خصوصا: إنه أعياه خلق السموات والأرض فاستراح ، والعياء صفة مخلوق ، فقد أخرجوه بهذه الصفة عن الألوهية ، ومن لم يؤمن بالله لم يصح منه الإيمان باليوم الآخر ، فإن الباعث هو الله ، فإذا ألحدوا فيه فكأنهم نسبوا البعث إلى غيره .
ولهم في البعث أداء كثير كشراء منازل الجنة من الرهبان ، وقالت اليهود: يكونون في النار أياما معدودة ، فإن البعث على الحقيقة أبعث المكلفين للخلود في الجنة والنار ، وزعم قوم منهم ، أن نعيم الجنة منقطع ، وقوم أن نعيمها ليس من جنس نعيم الدنيا ، وزعم قوم منهم: إنما تبعث الأرواح دون الأجساد ، وإن أهل الجنة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون ، فليس إيمانهم باليوم الآخر حقا كإيمان الموحدين .
وكذلك اختلفت النصارى ، وأيضا هم كافرون برسالة بعض الرسل ، بل أكثر الرسل كنبينا محمد A ، ولبعض الكتب كالقرآن وذلك معارض للإيمان بالله ومناف له ، فأهل الكتاب ، وكل من أنكر حرفا أو رسولا مشرك عندنا ، وقال جمهور المخالفين: ليسوا بمشركين فيما قال بعضهم ، وكذا قال عيسى بن عمير ، وأحمد بن الحسين: إن أهل الكتاب ليسوا بمشركين ، لكن منافقون مع استحلالهما منهم ما حل من المشركين ، وتحريم ما حرم منهم .
وذكر الثعالبى: أن فائدة الخلاف تبين في فقه منافعهم وذبائحهم وغير ذلك ، قال مجاهد: وعند نزول الآية أخذ رسول الله A في غزوة الروم ، ومشى نحو تبوك ، ذكر الثعالبى ، وقال الكلبى: نزلت في قريظة والنضير ، فصالحهم فكانت أول جزية أصابها المسلمون ، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدى المسلمين .
{ولاَ يُحرِّمونَ ما حرَّم اللهُ ورسُولُه} محمد A بالقرآن والسنة ، كالخمر والخنزير ، وقال أبو روق: المراد ما حرم الله في كتابهم كالتوراة والإنجيل ، ورسول الله الذي زعموا أنهم يتبعونه كموسى وعيسى عليهما السلام ، فهم لم يتبعوا دينهم المنسوخ ، ولا ديننا الناسخ له ، لا في الاعتقاد ولا في العمل .
{ولا يَدِينُون دِينَ الحقِّ} دين الصواب الثابت ، وهو دين سيدنا محمد A ، وإضافته للحق إشارة إلى أنه ناسخ لا ينزل ما ينسخه ، إذ كان الحق بمعنى الصواب الثابت ، وقيل: الحق الله ، أي دين الله ، وهو هذا الدين ، وقيل: دين أهل الحق وهم المسلمون ، ودين مفعول مطلق أو مفعول به ، أي لا يعتقدون دين الحق .