{لِلْفُقَراء الَّذِينَ أحْصِرُوا فِى سَبِيل اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضربًا في الأَرْضِ} : كأنه لما حث الله تبارك وتعالى على الإنفاق في الآيات السابقات سأل سائل: لمن هي؟ فأجاب بقوله {للفقراء} ، فهو خبر لمحذوف أي الصدقات المحثوث عليها للفقراء ، أو يتعلق بفعل مقدر هكذا اعمدوا للفقراء ، أو هكذا اجعل ما تنفقونه للفقراء ، وقيل يتعلق بتنفقوا ، الأول أي ما تنفقوا للفقراء من خير فلأنفسكم ، وبين اللامين اختلاف ، لأن النفقة نفع للفقير في الدنيا ، ونفع للمنفق في الآخرة ، أو اللام بمعنى على ، أي ما تنفقوا على الفقراء من خير فلأنفسكم ، ومعنى: {أحصروا في سبيل الله} ، حبسوا نفسهم على طاعة الله عموما كتعلم القرآن والصلاة وجهاد أعداء الدين ، وقيل: المراد الجهاد في سبيل الله ، ومعنى: {لا يستطيعون ضربا ف الأرض} لا يستطيعون التفرغ للتجار وطلب المعاش لاشتغالهم بالجهاد ، وقيل لضعف أجسامهم لجراحات أصابتهم في الجهاد في سبيل اللَّه ، وقيل لا ستطيعون الجهاد لشدة فقرهم ، وروى أنهم فقراء المهاجرين نحو أربعمائة رجل من قريش يستكنون صفة المسجد ، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة ، ويخرجون في كل سرية بعثها رسول الله A ، لم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر ، يأون إلى صفة المسجد يتعلمون القرآن بالليل ، ويرضخون النوى بالنهار ، حث الله بالصدقة عليهم ، فكان من له فضل أتاهم به إذا أمسى ، والمتبادر في عرف القرآن: من سبيل الله الجهاد ، والضرب في الأرض الذهاب فيها أرضا ، للتجر في عرف القرآن ، والإحصار أن يحول بين الرجل والسفر مرض أو عدو أو شغل مهم . وعن ابن عباس: وقف رسول الله A يوما على ًأحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: « أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقى من أمتى على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه فإنه من رفقائى » . {يَحْبُهُم الجَاهِلُ} : جاهل حالهم ، أي من جهل أنهم فقراء .
{أغنياءَ منَ التَّعفُّفِ} : متعلق بيحسب ، ومن للتعليل ، أي يظنهم جاهل فقرهم أغنياء لأجل تعففهم عن السؤال والتملق لصاحب المال ، والخضزع له ، والتعفف عن الشيء: تركه ، وهو تفعل من الفعةل للمبالغة ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين في يحسبهم وتحسبهم ويحسبون ويحسبه ويحسبن في جميع القرن ، والباقون بكسرها في جميعه .
{تَعْرِفُهم بِسِيمَاهُم} : الخطاب لرسول الله A ، أو لكل من يصلح أن بعرفهم ( بسيماهم ، وهي علامتهم من الخشوع والتواضع ، عند مجاهد ، وقال الربيع بن أنس ، والسدى ، من أثر الجهد من الحاجة والفقراء والضعف ، صفرة ألوانهم من الجوع ، ورثاثة ثيابهم ولباسهم ، ونسب لابن زيد ، وقال قو: هي أثر السجود ، واستحسنه بعضهم ، لأن همتهم الصلاة ، وهذه الأقوال غير الأولى والأخير قد تنافى قوله: {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف} اللهم إلا أن يقال المعنى جاهل حالهم لا يرى فيهم شيئا مما يعرف به الفقراء من عدم التعفف ، وإنما يعرفهم بعلامتهم المذكورة من لونهم ولباسهم وضعفهم ، وقيل سيماهم هيبة تقع في قلوب من رآهم يتواضع لهم بها لإخلاصهم ، كما أن الأسد تهابه السباع والوحوش والأنعام والدواب بطبعها لا بالتجربة ، والبازى إذا طار نفرت منهُ الطيور الضعيفة .