{وإذ} واذكر في نفسك أو لقومك إذ {قِيلَ لَهم} لبنى إسرائيل حين خرجوا من التيه {اسْكنُوا هذِه القَريةَ} قرية بيت المقدس ، وقيل: أريحاء ، وقال في البقرة: {ادخلوا} والمراد ادخلوها للسكون ولا سكون إلا بعد دخول فالمعنى واحد {وكلُوا} وقال في البقرة: {فكلوا} بالفاء ، وقال: {رغدا} لأنه ذكر فيها الدخول ، وداخل البلد من صحراء يكون أحوج إلى الطعام يعاجله متصلا بالدخول وهو الذلة ، كما تدل لفظة رغدا بخلاف الساكن فيها ، ولذا قاله هنا بالواو لذكر السكون مراعاة للفظ ، وترك الرغد لا يناقض إثباته أو لما أفادت الفاء هنالك تسبب سكناها للأكل منها ، اكتفى عن ذكر ذلك هنا ، أو اكتفى بدلالة الحال .
{منْها حَيثُ شِئْتُم} ليس موضع منها محجورا عليكم طعامه ، ولا محجورا عليكم الأكل فيه من ثمار وحبوب وغيرها {وقُولُوا} أخره في البقرة عن ادخلوا ، ومجرد تقديمه هنا لا يفيد تقدمه في الوجود ، ومجرد تأخيره هنالك لا يفيد تأخير وجوده ، وإنما يستفاد ذلك من خارج ، والواو لا تفيد الترتيب ، أو فعل ذلك إيذانا بأنه سواء قدموا أو أخروا {حِطَّةٌ} خبر لمحذوف ، أي مسألتنا أو طلبتنا ، أو أمرك حطة ، أي محو الذنوب عنا ، أو أمرنا حطة أي إقامة في القرية ، وقرأ الحسن بالنصب على المفعولية المطلقة ، أي حط عنَّا ذنوبنا حطة فمقول القول مجموع المحذوف والمذكور ، أو على المفعولية للقول ، أي قولوال هذه اللفظة أي اذكروها مريدين بها حط الذنوب ، فهي هنا مفعول به للقول ، وفي كلامهم إذا نطقوا بها مفعول مطلق ، هذا ما ظهر لي في تحقيق المقام ، ويجوز أن يكون مفعولا به على معنى اذكر لفظة تكون محوا لذنوبكم مثل: لا إله إلا الله هو ، فانظر سورة البقرة .
{وادْخُلوا البابَ سُجَّدًا} أي سجود انحناء حتى تستطيعوا الدخول من الباب {نَغْفر لكُم} بسبب دعائكم {خَطِيئاتكُم} وقرأ ابن كثير ، وعاصم ، وحمزة ، و الكسائي: نغفر بالنون مفتوحة وكسر الفاء لكم خطيئاتكم بالياء والهمزة وكسر التاء ، وقرأ ابن عمرو: نغفر بالنون كذلك لكم خطاياكم كالقضايا والوصايا ، وهي قراءة الحسن والأعمش ، وقيل: قراءة أبي عمرو وهي كقراءة نافع ويعقوب بالتاء والبناء للمفعول ، وجمع السلامة المؤنث ، ورفع تاءه وهي رواية محبوب عنه ، وكذا قرأ ابن عامر ، لكنه أفرد ولم يجمع ، قال أبو حاتم: وقرأ الأعرج بالقاء مفتوحة ، وكسر الفاء ، ونصب خطيئاتكم بالكسرة إلا أن في تغفر ضمير الحطة إذ هي سبب الغفران .
{سَنزيدُ المحْسِنينَ} نعما في الدنيا والآخرة ، ولم يقرن سنزيد بالواو ليدل على أنه تفضل محض ، ليس جزاء مقابلا لما أمروا به ، قيل: هو جواب سؤال ، كأنه قيل: وماذا بعد الغفران فقيل: سنزيد المحسنين ، وقرنه بالواو وفي البقرة لا ينافى ذلك ، ولا يدل عليه بل يحتمله .