{لَقَد كانَ في قَصَصهم} أي قصص الرسل وأممهم في السورة هذه وغيرها من القرآن ، والذي في هذه السورة بالتفصيل هو قصة الرسل يوسف وإخوته ، وقيل: الضمير ليوسف وإخوته ، ويقوى الأول قراءة بعضهم في قصصهم بكسر القاف على أنه جمع قصة ، فإن يوسف له قصة واحدة هي ما ذكر في هذه السورة ، ولكن لا يتعين ذلك لجواز أن يسمى كل قطعة منها قصة .
{عِبرةٌ} أي اعتبار وتذكر واتعاظ {لأولى الألْباب} أصحاب العقل السالمة عما يصدها عن الله سبحانه وتعالى ، فيعلم من ذلك القصص صدق محمد ، وأن الله قادر على إعزازه وتغليبه ، كما فعل بيوسف بعد مدة طويلة ، ولا يخفى أن قصة يوسف مذكورة في أوائل السورة بأنها أحسن القصص ، وأن فيها آيات للسائلين ، وفي أواخرها بأن فيها أو فيها وفي غيرها عبرة لأولى الألباب .
{ما كانَ} أي القرآن سواء قرئ قصصهم بكسر القاف أو فتحها ، وإذا كان بالفتح جاز وجه آخر وهو رد ضمير كان إليه ، فإن القصص بالفتح مفرد كما يعلم من أوائل السورة {حَدِيثا} كلاما {يُفْترى} يؤتى به كذاب .
{ولكنْ تَصْديق} خبر لكان محذوفة ، أي ولكن كان تصديق ، وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي ولكن هو تصديق {الَّذِى بين يَديهِ} أي ما بين يديه من كتب التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك ، ومعنى كون تلك الكتب بين يديه أنها موجودة حال نزوله لا مفقود ستوجد ، ولو غيروا بعضها ، والعبرة بما بقى غير مغير ، وبكونها كما هي ، قيل: التغيير الذي المراد به جنس كتب الله ، والهاء لما عاد إليه ضمير كان ، ومعنى كونه تصديقا للكتب السابقة أنه موافق لها ، ولو خالفها لكان أحق باسم تكذيبها ، إذ خالفها ، إذ كان يقول في قصة بكذا ، وتقول هي في نفس تلك القصة بخلافه ، أو تصديق بمعنى مصدق بفتح الدال .
{وتفْصِيلَ كلِّ شيءٍ} يحتاج إليه في الدين من حلال وحرام ، وحكم وقصة ، وموعظة ومثل ، ووعد ووعيد وغير ذلك ، بعض لك بتصريح ، وبعض بتوليح ، وهذا إذا رجَّعنا الضمير في كان للقرآن ، وإن رجعناه للقصص فمعنى كونه تفصيل لكل شيء أنه تفصيل لكل شيء محتاج إليه في الاقتصاص ، ورجع الضمير للقرآن نسب بما ذكر وبقوله:
{وهُدىً} لأن كون القرآن هدى من الضلال إلى الصواب ، ومن الخبر إلى الشر أظهر من كون القصة كذلك ، ولو كانت القصة تفيد ذلك أيضا {ورحْمةً} ينال بها خير الدارين {لقوم يؤمنُون} خصهم بالذكر ، لأنهم المنتفقون ، ولأنهم الذين يهدون ويرحمون بالفعل ، لا بالإمكان والقوة فقط .
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .