{وَذَا النُّونِ} صاحب الحوت؛ أضيف للحوت لأن الحوت بلعه ، وهو يونس بن مَتَّى .
قال السهيل: هذا مقام ثناء على يونس ، ولذا عبر عنه بذو ، بخلاف: {ولا تكن كصاحب الحوت} والإضافة بذو أشرف من الإضافة بصاحب؛ لأن ذو تضاف إلى التابع وصاحب يضاف إلى المتبوع . انتهى . ولعل هذا غير لازم ، وهو نبي من أهل نِينَوِى .
{إذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} لقومه أي غضبان عليهم غضبا شديدا ، مما قاسى منهم من التكذيب وغيره ، ولم يؤذن له في ذلك === بقومه ، وذهب عنهم غضبا ، قبل أن يؤمر .
وقيل: وعدهم بالعذاب غدا ، ولم يأتهم العذاب غدا لقوتهم ، ولم يعرف بذلك ، وظن أنه يقال فيه: كذب .
وغضب من حيث بلغه تكذيبهم إلى هذا المقام ولم يقل: غضبان ، بل مغاضبًا؛ لأن مفاعِل والتفاعُل يستعمل كثيرًا للمغالبة ، فاستعمل منه مفاعِل هنا ، قصدا للمبالغة ، أو الألف للتعدية؛ لأنه أغضبهم بالمهاجَرة ، لخوفهم لحوق العذاب ، كما يقال: ماشيْتُه وسايرتُه .
وقرأ أبو شرف مغضبًا بفتح الضاد . ونقل عنه أبو حيّان مغاضَبا بفتحها .
{فظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} لن نقضى عليه ما قضينا ، من حبسه في بطن الحوت . ويدل لهذا أنه قرأ الزهرى والحسن نُقَدِّر بضم النون وفتح القاف وتشديد الذال .
وقرئ نَقْدِر بفتح وسكون القاف وكسر الدال .
وقرأ يعقوب بالياء والبناء للمفعول .
وقرئ بالياء والبناء للمفعول مع التشديد . وفاعل ذى الياء ضمير الله ، ونائبه: عليه .
وقيل في المعنى: ذلك هو التضييق ، أو تقدير الله عليهم عقوبة ، أو المراد أنه ظن أن لن تعمل فيه قدرتنا .
وقيل: ذلك من المجاز المركب لاستعارى مُثّلت حاله بحال من يظن أنه لن يقدر الله عليه ، في مراغمته قومه ، من غير انتظار لأمرنا ، أو وسوس له الشيطان: أنه لا يقدر عليك ولم يتبعه ، ولا كاد يتبعه ، أو يقبل وسوسته ، ولكن سميت ظنًّا ، للمبالغة والتغليظ عليه ، حيث ذهب ولم يؤمر ، بل أمر قبل ذلك بالصبر على دعائهم ، وظن أن ذلك يسوغ له ، إذ لم يفعل إلا غضبًا لله تعالى وبغضًا للكفر وأهله . وتلك المعاني كلها ، يقبلها التخفيف والتشديد .
وإذا رأيت التشديد مستغنى عنه فاجعله لموافقة التخفيف ، أو للتوكيد .
وخص بعضهم التفسير ، بأنه ظن أن لن تعمل فيه قدرتنا والتفسير بالمجاز المركب والتفسير بالوسوسة بقراءة التخفيف . وممن فسر الآية بالقَدْر لا بالقُدرة ابن عباس . رُوى أنه دخل على معاوية . فقال معاوية لقد ضربتنى أمواج القرآن البارحة فغرقتُ ، فلم أجد لنفسي خلاصا إلا بك .
قال: وما ذاك يا معاوية؟
فقرأ الآية فقال: أوَ يظن نبي الله أن لا يقدر عليه الله؟
قال: هذا من القَدْر لا من القُدرة .
وزعم بعضهم أنه غضب لأن العذاب لم ينزل عليهم ، وهو باطل؛ لأن فيه طرفا من معاداة الله .