{قلْ} يا محمد لكفار قومك {مَنْ ربُّ السَّموات والأرضِ} مالكهما ومدبرهما {قُلِ الله} أي ربهما الله ، لما لم يكن لهم بد من هذا الجواب أمره أن يذكره لأنه ظاهر لا يمكن أن يجادلوا فيه فلا يترقب أن يذكروه لعدم الحاجة إلى انتظاره أن يذكروه ، مع أن الثابت في قلوبهم وألسنتهم يذكرونه قبل وبعد .
وإن قلت: فما فائدة الأمر بالسؤال والأمر بالجواب أعنى قوله: {قل الله} ؟
قلت: فائدته استحاضر ما هو الواقع في نفس من أنه لا رب سواه للتأكيد ، وليرتب عليه ، واستبشاع اتخاذ أولياء من دونه ، غيره ما لكين ضرا ولا نفعا ، أو المراد قل: الله إذا قالوا: الله ، كما تذكر جواب المجيب تثبيتا واستيثاقا ، لتتمكن من الرد عليه فضل تمكن ، أو المراد قل لهم: الله إن سكنوا عندا واستكبارا ، عما ترد عليهم ، فإنه لا جواب لهم سوى ذلك ، فربما يذكرونه إذا ذكرته .
وقيل: لما قال لهم: من رب السموات والأرض؟ قالوا: أجب أنت ، فأمره الله تعالى أن يجيبهم بأن ربهم الله ، وأمره أن يلزمهم الحجة بقوله:
{قل} لهم {أفاتَّخذتُم مِن دُونهِ} أي من دون الله {أولياءَ} أنصار وهم الأوثان ، وإنما سماها أنصارا على زعمهم ، والعطف على محذوف أي أعلمتم أن ربهم الله فاتخذتم من دونه أولياء .
{لا يمْلِكُون} عبر عن الأوثاء بما يعبر به عن العقلاء ، لوصفهم لها بوصف العقلاء وهو النصر {لأنفسهم نفعًا ولا ضَرًّا} أي ولا دفع ضر ، فضلا عن أن ينفعوا غيرهم أو يضروه ، وهذا دليل ثانٍ على فساد رأيهم ، وعلى ضلالهم إذا استنصروا من لا ينصر نفسه ، ولا نفعها ولا يدفع عنها ضرًّا ، ولا يرى ولا يسمع ولا يعلم ، وهذا أمر مستبشع غاية الاستبشاع ، وذلك قرن الكلام بهمزة الاستفهام التوبيخى الدال على أن العقل يكر ذلك ، والدليل الأول هو قوله: {وهو شديد المحال * له دعوة الحق} ثم ضرب الله مثلا بقوله: {قلْ هَلْ يسْتَوى} توبيخ على ادعاء الاستواء وانكارا لصحته كالاستفهام المذكور {الأعْمى} المشرك الجاهل بحقيقة العبادة وبمن يستحقها ، بم تستحق {والبَصيرُ} الموحد العالم بذلك كله ، هذا تفسير ابن عباس بزيادة عليه ، شبه المشرك بالأعمى في كونه لا يهتدى إلى مصالحه ، ولا يستطيع التحرز عن المهالك ، والموحد بالبصير المهتدى لذلك المتحزر عما يهلكه ، ويجوز أن يراد بالأعمى الصنم ، فإنه لا يهتدى لذلك ولا يتحرز عما يهلكه ، ولا يرى ولا يسمع ولا يعلم شيئا من عبادتهم إياه ولا غيرها ، ولا يحيى ولا يرزق ، ولا ياقب ولا يثيب ، ولا يخلق ، وبالبصير الله ، فإنه الغنى عن سواه ، المحتاج إليه من عداه ، الخالق الرازق ، المعاقب المثيب ، العالم بالأوقال والأفعال والأحوال .
{أمْ} بمعنى بل التي للانتقال {هَلْ تَسْتوى} وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر بالمثناة التحتية {الظُّلماتُ} أراد الشرك {والنورُ} يعني الإيمان ، شبه الشرك بالظلمة في عدم الاهتداء عن الهلاك إلى المصالح ، والإيمان بالنور في الاهتداء عنه إليها ، ويجوز أن يراد بالأعمى والبصير من لا عين له باصرة ، ومن هو باصر ، فإنهما لا يستويان ، فكذلك لا يستويى المشرك والموحد ، وبالظلمات والنور ظاهرهما أيضا ، فإنهما لا يستويان ، فكذلك لا ييستوى الشرك والإيمان .