{ومَا لكُم ألاَّ تأكلُوا ممَّا ذُكر اسْم اللهِ عليهِ} فإن المتحرجين عما ذبح باسم الله هم المشركون لا المؤمنون ، أي أي شيء لكم من النفع أو الديانة الصحيحة في أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ، بأن ذبح مثلا ، وذكر اسم الله ، اللهم إلا أن يقال: المعنى وما لكم أيها المؤمنون ألا تقصروا أكلكم على ما ذكر اسم الله عليه ، ولا تخلطوا معه أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ، فإن مثل هذا قد يقال لمن لا يخلط معه ، لكن أؤكد عليه بترك الخلط أو عرض بغيرهم كقوله: {وما لي لا أعبد الذي فطرنى} وما مبتدأ استفهامية إنكارية وأن لا تأكلوا على تقدير الجار كما رأيت ، وهذا أولى مما قيل: إن زائدة للتأكيد ناصبة ، والجملة بعدها حال من الكاف ، ولا يقدر الجار ، ويدل لهذا الوجه الذي هو أن المعنى ما لكم أيها المؤمنون ألا تقصروا أكلكم على ما ذكر اسم الله عليه قوله:
{وقَد فصَّل لكُم ما حرَّم عَليْكم} أي كيف لا تقصرون الأكل على ما ذكر عليه اسم الله ، وتتركون ما حرم عليكم ، وقد بينه الله لكم فلا عذر في ترك الاقتصار ، وأما على أن الخطاب في ذلك كله للمشركين ، فالمعنى كيف تتحرجون مما ذكر اسم الله عليه ، وهو غير محرم ، والمحرم هو ما فصَّل الله لكم تحريمه بقوله: {حرمت عليكم الميتة} الخ في المائدة ، أو قوله في الأنعام: {قل لا أجد فيما أوحى إلىَّ محرمًا} الخ نفى أن يقال كيف قال ، وقد فصل ، وهو عند قراءة الآية التي هنا لم يفصل ، بل سيفصل بعد في هذه السورة بقوله: {قل لا أجد} الخ أو سيفصل بعد الهجرة في المائدة إذ هي مدنية من آخر ما نزل ، فيجاب والله أعلم بأن المعنى قد فصل لكم في اللوح المحفوظ ، أو في الغيب غنده ، أو فيما سينزل من القرآن ما حرم عليكم في ذلك أيضان فلا يحل لكم أن تحرموا من عندكم شيئا أحلوا ما أحل الله ، وانتظروا ما ينزل الله من الأحكام مطلقا ، فمهما وجدتم فيها فاعملوا به .
أو يجاب بأن المعنى قد فصَّل لكم في آخر هذه السورة ما حرم عليكم ، فالسورة مضت وتمت عند الله ولو قبل نزولها ، فصحت صيغة الماضي ، وهذان الجوابان أحسن ما استخرجته بفكرى والماضي فيهما على أصله ، وظهر لي وجه ثالث هو أن فصَّل بمعنى يفصل ، أي وقد يفصل بعد عليكم ، فالماضي بمعنى المضارع ، وهذا وجه ثالث لي .
ووجه رابع أن الآية يحتمل أنها نزلت بعد نزول المائدة ، وجعلت في الأنعام بأمر الله ، وأما ما في تفسير من تقدم قبلى ، فقال الفخر: المراد التفصيل لما حرم بقوله: {لا أجد} لقلة هذا التأخير ، وهو مقدار تلاوة ما بين الآيتين ، وتلاوة الأخيرة وإتمام السورة ومضيتها قبل نزول جبريل بها ، وهذا والحمد لله بعض الأوجه التي ذكرت ، لكن باعتبار قوله: وإتمام الخ ، وقد حكيت كلامه بالمعنى .