{يسْألونَكَ عنِ السَّاعةِ} أي وقت موت الخليقة كلها ، وهو اسم مغلب على ذلك الوقت ، وسمى ساعة لوقوعه بغتة ، والعرب تمثل في لأمر السريع بالساعة ، أو لسرعة حسابه فينقضى في ساعة ، أو لأنه على طوله كساعة عند الله ، أو للتضاد بأنه طويل سمى باسم القصير ، كما قد يسمى السماء أرضا ، والطويل قصيرا ، وما ذكرته من سرعة الحساب والطول إنما هو بالنظر إلى ما بعد الموت من البعث ، والساعة تطلق على وقت موت الخليقة ، وعلى وقت البعث ، وعلى وقت الموت إلى ما لا ينتهى ، وقيل: إلى دخول أهل الجنة و النار إياهما ، وكذلك يوم القيامة إطلاقا أو خلافا .
{أيَّانَ} نونه أصل لا زائد ، وقرأ أو أبو عبد الرحمن السلمى بكسر الهمزة أي متى {مُرْسَاها} أي إرساءها ، أو زمان إرسائها ، كما تقول: متى يوم الجمعة ، والإرساء إثبات الجسم الثقيل ، والرسوِّ ثبوته ، واستعمل الإرساء في الساعة تشبيها لها بالجسم الثقيل ، ولا اشتقاق ولا أخذ لأيَّان ، ولا لأى من شيء ، وقال ابن جنى: أيَّان مشتق من أي ، وأى مشتق من أوى إليه أي انضم ، واراد بالاشتقاق الاشتقاق الكبير أو الأخذ وإلا فالاشتقاق في غير المتصرف يأباه الأكثرون ، نعم أي متصرف وقد اختلف: هل الاشتقاق من الفعل أو المصدر؟ وعليه فالنون زائد ، ولم يقل مشتق من أين ، لأن أين للمكان ، وقيل: أصل أيَّان أي آن ، ومرساها مبتدأ أو أيَّان متعلق بمحذوف خبر ، وقال المبرد: مرساها فاعل لمحذوف أي يجئ أو يحضر وأيَّان متعلق بالمحذوف .
روى عن ابن عباس: أن جبل بن أبي قشير ، وسمويل بن زيد اليهوديين قالا: إن كنت نبيا فأخبرنا متى الساعة فإنا نعلم متى هي ، فإن صدقت آمنا بك؟ فنزلت الآية كلها في ذلك ، وكذبهم في ادعاء علمها بقوله:
{قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ ربِّى} لا يعلم وقتها ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، وهو جواب مفصح عن رسالته A ، لأنها كانت مبهمة أيضا في كتابهم ، لا يعلم أحد وقتها ، وحكمة إخفائها أن يكون المكلف على شفقة منها ، فيستعد لها ، وضربت لها علامات تدل على قربها ، فيشتد استعداد من حضر تلك العلامات من الموفقين ، ومن علاماتها: أن تلد الأمة ربَّتها ، أي يكثر التسرى ، فإن بنت الأمة المتسراة سيدة لها ، مالكة لها بموت أبيها فتعتق عنها ، أو يكثر حتى إنها لتلد بنتا ستملكها إذا افترقتا ، بأن لا تعلم أنها أمها أو غير ذلك ، وقال قتادة بن دعامة: سألته قريش وقالوا: إنا قرابتك فأخبرنا عنها وهو قول الحسن:
{لا يُجلِّيها} لا يظهرها بإحضارها {لوقْتِها} هي لام التوقيت ، واختار بعض أن يكون المعنى عند وقتها أو في وقتها ، ونقول لا يخرج ذلك عن معنى لام التوقيت ، وعلى كل فليس في الآية ظرفية الشيء لنفسه ، بأن نعتبر أن المراد لا يجلى أمرها ، أو نعتبر عموم وقتها وسعته حتى يكون ذلك من ظرفية الجزء في الكل ، فالساعة وقت موت الناس ، والوقت هو هذا الوقت وما بعده .