فهرس الكتاب

الصفحة 3873 من 7694

{كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ} ولا يبقى إلا الحى الدائم . والذوق عبارة عن مقدمات الموت ، أي ذائقة مرارة الموت . وفي ذلك موعظة بليغة .

وكان الثورى إذا ذكر الموت لا يُنتفع به أياما . وكثرة ذكره تردُّ عن المعاصى ، وتلين القلب القاسى .

قال الحسن: ما رأيت عاقلا قط إلا وجدته حَذِرًا من الموت ، حزينا من أجله وطول الأمل بكسل عن العمل ، ويورث التوانى ، ويُميل إلى الهوى . وهذا مشاهد بالعيان ، لا يحتاج إلى بيان ، يطالَب صاحبه ببرهان .

ولما دنا الموت من معاوية قال: الموت لا مَنْجَى من الموت . والذي يحاذَر بعد الموت أدهى وأفظع . ثم قال: اللهم أَقِل العَثرة ، واعف عن الزَّلة وعد على مَن لم يرج غيرك ، ولا يثق إلا بك ، فإنك واسع المغفرة ، وليس لذى خطيئة مهرب منك .

وقيل لأعرابى: إنك تموت .

فقال: إلى أين يُذهب بى؟

قالوا: إلى الله تعالى .

قال: ما أكره أن أذهب إلى مَن لا أرى الخير إلا منه .

وأوصى علىّ أبا ذر - رضى الله عنه -: زُر القبور ، وتذكر بها الآخرة ، ولا تزرها بالليل ، واغسل الموتى ، وصلِّ على الجنائز ، لعل ذلك يحزنك ، فإن الحزين في ظل الله .

ودخل ملَك الموت على داود فقال: مَن أنت؟

قال: الذي لا يهاب الملوك ولا تمنع منه القصور ولا يقبل الرشا .

قال: فأنت إذًا ملَك الموت ، ولم أتسعد بعدُ .

قال: يا داود أين جارك فلان ، وابن فلان قريبك؟

قال: ماتا .

قال: أما كان فيهما عبرة لتستعد!

وأجمعت الأمة أن الموت ليس له زمان معلوم ولا مرض معلوم فليكن المرء على أُهبة من ذلك .

فبينما حسان جالس وفي حجره صبى يطعمه الزبد بالعسل إذ شرق الصبى بهما فمات فقال:

اعمل وأنت صحيح مطلق فرِح ... ما دمت - ويحك يا مغرور - في مهَل

ترجو حياةَ صحيحٍ ربما كمنتْ ... له المنية بين الزبد والعسل

وسمع أبو الدرداء رجلا يقول في جنازة: مَن هذا؟

قال: أنت فإن كرهت فأنا .

وكان يزيد الرفاشى يقول: أخبرونى مَن كان الموت موعده ، والقبر بيته . والثرى مسكنه ، والدود أنيسه ، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر ، كيف يكون حالهَ! ثم يبكى حتى يغشى عليه .

{وَنَبْلُوكُمْ} نعاملكم معاملة المختبر {بِالشَّرِّ} ما تكرهه النفس ، كالفقر والذل .

{وَالْخَيْرِ} كالغنى والعز ، هل تصبرون وتشكرون أم لا؟

وقدم الشر لأن العرب كما تقدم الخير تقدم الشر وذلك من عادتها ، ولأن الشر يتبادر إلى النفس أن الابتلاء به أشد .

{فِتْنَةٌ} مفعول مطلق ، كقعدت جلوسا .

وقيل: مفعول لأجله . وفيه أن الشيء لا يعلل بنفسه إلا إن أريد بالفتنة والإيقاع في الضر لا الاختبار .

{وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} للجزاء الذي هو المقصود بالابتلاء في هذه الدنيا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت