{كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ} ولا يبقى إلا الحى الدائم . والذوق عبارة عن مقدمات الموت ، أي ذائقة مرارة الموت . وفي ذلك موعظة بليغة .
وكان الثورى إذا ذكر الموت لا يُنتفع به أياما . وكثرة ذكره تردُّ عن المعاصى ، وتلين القلب القاسى .
قال الحسن: ما رأيت عاقلا قط إلا وجدته حَذِرًا من الموت ، حزينا من أجله وطول الأمل بكسل عن العمل ، ويورث التوانى ، ويُميل إلى الهوى . وهذا مشاهد بالعيان ، لا يحتاج إلى بيان ، يطالَب صاحبه ببرهان .
ولما دنا الموت من معاوية قال: الموت لا مَنْجَى من الموت . والذي يحاذَر بعد الموت أدهى وأفظع . ثم قال: اللهم أَقِل العَثرة ، واعف عن الزَّلة وعد على مَن لم يرج غيرك ، ولا يثق إلا بك ، فإنك واسع المغفرة ، وليس لذى خطيئة مهرب منك .
وقيل لأعرابى: إنك تموت .
فقال: إلى أين يُذهب بى؟
قالوا: إلى الله تعالى .
قال: ما أكره أن أذهب إلى مَن لا أرى الخير إلا منه .
وأوصى علىّ أبا ذر - رضى الله عنه -: زُر القبور ، وتذكر بها الآخرة ، ولا تزرها بالليل ، واغسل الموتى ، وصلِّ على الجنائز ، لعل ذلك يحزنك ، فإن الحزين في ظل الله .
ودخل ملَك الموت على داود فقال: مَن أنت؟
قال: الذي لا يهاب الملوك ولا تمنع منه القصور ولا يقبل الرشا .
قال: فأنت إذًا ملَك الموت ، ولم أتسعد بعدُ .
قال: يا داود أين جارك فلان ، وابن فلان قريبك؟
قال: ماتا .
قال: أما كان فيهما عبرة لتستعد!
وأجمعت الأمة أن الموت ليس له زمان معلوم ولا مرض معلوم فليكن المرء على أُهبة من ذلك .
فبينما حسان جالس وفي حجره صبى يطعمه الزبد بالعسل إذ شرق الصبى بهما فمات فقال:
اعمل وأنت صحيح مطلق فرِح ... ما دمت - ويحك يا مغرور - في مهَل
ترجو حياةَ صحيحٍ ربما كمنتْ ... له المنية بين الزبد والعسل
وسمع أبو الدرداء رجلا يقول في جنازة: مَن هذا؟
قال: أنت فإن كرهت فأنا .
وكان يزيد الرفاشى يقول: أخبرونى مَن كان الموت موعده ، والقبر بيته . والثرى مسكنه ، والدود أنيسه ، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر ، كيف يكون حالهَ! ثم يبكى حتى يغشى عليه .
{وَنَبْلُوكُمْ} نعاملكم معاملة المختبر {بِالشَّرِّ} ما تكرهه النفس ، كالفقر والذل .
{وَالْخَيْرِ} كالغنى والعز ، هل تصبرون وتشكرون أم لا؟
وقدم الشر لأن العرب كما تقدم الخير تقدم الشر وذلك من عادتها ، ولأن الشر يتبادر إلى النفس أن الابتلاء به أشد .
{فِتْنَةٌ} مفعول مطلق ، كقعدت جلوسا .
وقيل: مفعول لأجله . وفيه أن الشيء لا يعلل بنفسه إلا إن أريد بالفتنة والإيقاع في الضر لا الاختبار .
{وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} للجزاء الذي هو المقصود بالابتلاء في هذه الدنيا .