{اتَّخذُوا أحْبارَهُم} جمع حبر بفتح الحاء ، وهو العالم ، وأما الحبر بكسرها فهو المداد كما في القاموس ، وهو قول ابن السكيت ، وقال الفراء: سمعت فتح الحاء وكسرها في العالم ، قال بعضهم: والكسر أفصح ، وقال يونس: لم أحفظه إلا بالكسر ، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ .
{ورُهْبانَهم} جمع راهب وهو الخائف ، وكل من الحبر والراهب يكون في اليهود والنصارى ، ولو اشتهر أن الأحبار علماء اليهود ، والرهبان أصحاب الصوامع من النصارى {أرْبابا مِنْ دُون اللهِ} بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله ، وتحليل ما حرم ، فإن التحليل والتحريم إنما يتلقيان من الله ، وإنما بدل الدين ملوك السوء وأحباره ورهبانه ، وبأن سجدوا ، لهم ، فمن أطاعهم فيما ذكر قد اتخذهم أربابا ، من سجد لهم قد اتخذهم أبابا .
قال الفضيل: ما أبالى أطعت مخلوقا في معصية الخالق ، أو صليت لغير القبلة ، وفسر ابن عباس ، وحذيفة اتخاذهم أربابا بطاعتهم فيما ذكر ، « وذكر عدى بن حاتم أنى أتيت النبي A وفي عنقى صليب من ذهب فقال: » يا عدى اطرح هذا الصليب من عنقك « » في رواية الطبرى ، وروى غيره: « اطرح عنك هذا الوثن » وفي رواية: « » ألق هذا من عنقك « وسمعته يقرأ {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} » وفي رواية غير الطبرى سمعته يقرأ سورة براءة ، حتى أتى على هذه الآية ، قلت: إنا لا نتخذهم أربابا من دون الله ، وفي رواية الطبرى « قلت: يا رسول الله كيف ذلك ونحن لم نعبدهم؟ قال: » أليسوا يحلون لكم ما حرم عليكم فتستحلونه ، ويحرمون عليكم ما أحل لكم فتحرمونه؟ « قلت: بلى ، قال: » فتلك عبادتهم « » ولذا فسر الفضيل اتخاذهم أربابا بالعبادة .
وليس هذا الحديث حصرا في تفسير الآية ، بل تمثيل لها ، فكأنه قال: إن لم تكن يا عدى تعبدهم بالسجود ونحوه فقد عبدتهم باتباعهم في التحليل والتحريم ، وفي الضياء ، والتاج: من أجاب قيل ناطقا فقد عبده ، فإن كان عن الله فقد عبد الله ، وإن كان عن إبليس فقد عبده ، وعبادته طاعته فيما دعاه إليه من المعاصى . انتهى .
{والمسِيحَ} عطف على أحبار أو رهبان ، أو يقدر واتخذوا المسيح ربًا {ابنَ مَرْيَم} بأن جعلوه ابنا لله ، فإذا جعلوه ابنا له فقد أهلوه للعبادة ، بل قال فريق منهم هو أنه كما مر {وما أمِرُوا} في الكتب وسنة الأنبياء {ليعْبُدوا إلهًا واحدًا} هو الله D ، وأما اتباع الناطق فيما كان عن الله فهو عبادة لله كما مر ، ويجوز عود الضمير للأحبار والرهبان والمسيح ، أي هم مأمورون بعبادة الله وحده ، فكيف يكون أربابا ، فهذا كالدليل على بطلان اتخاذهم أربابا ، واللام للتعليل ، أي وما أمروا بما أمروا إلا ليعبدوا ، أو صلة للتأكيد ، وحذفت إن والباء أي وما أمروا إلا ليعبدوا ، أي إلا بأن يعبدوا .