وإن قلت: كيف بلغ ذلك المبلغ من الحزن وهي نبي؟
قلت: لم يبلغه باختياره ، بل جبلت النفس على أن تحزن عند الشدائد ، وكان مأجورا على عدم خروجه عن الرضا الله وقدره ، إلى تحويره ، أو صياح ، أو نياحة ، أو لطم ، أو تمزيق ثوب ونحو ذلك .
ولقد بكى رسول الله A على ولده إبراهيم فقال: « القلب يوجع والعين تدمع ولا تقول ما يسخط الرب وإني عليك يا إبراهيم لمحزون » وفي رواية: « القلب يجزع » أي يتألم وفي رواية: « يحزن » وقال: « إن الله لا يعذب بدمع العين ، ولا بحزن القلب ، وإنما يعذب بهذا ويرحم » وإشار إلى لسانه .
وبكى على بعض ولد بناته وهو يجود بنفسه ، فقيل: يا رسول تبكى وقد نهيتنا عن البكاء! فقال: « ما نهيتكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن صوتين أجمعين صوت عد الفرح وصوت عن الترح » وبكى الحسن على ولد أو غيره فقيل له في ذلك فقال: ما رأيت الله جعل الحزن على يعقوب عارا .
{فهُو كَظيمٌ} أي مغموم مكروب ، لا يظهر كربه إلا ما ظهر منه غلبة وطبعا مملوءا هما على يوسف أو عليه وعلى من بقى بمصر ، وكظيم كما رأيت فعيل بمعنى مفعول كقوله: {وهو مكظوم} من كظم السقاء إذا شد فمه وقد ملئئ ، ويجوز أن يكون بمعنى فاعل أي فهو كاظم لغيظه كاتم له ، قال قتادة: الكظيم الذي يرد حزنه في جوفه ولم يقل غلا خيرا ، وأصله كظم البعير جرته إذا ردها في جوفه ، والكظم بفتح الطاء مخرج النفس .
وفي الحديث: أن يعقوب كبر وضعف حتى سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، فقيل: كان يرفعهما بخرقة ، فقال بعض جيرانه: لو عشت ونميت لم تبلغ من السن ما بلغ أبوك حتى هرمت ، فقال: من طول الزمان ، وكثرة الأحزان ، فأوحى الله إليه: تشكونى إلى خلقى ، فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفر لي ، قال: قد غفرت لك ، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: « إنما أشكوا بثى وحزنى إلى الله » .
وفي الحديث ، عن أنس قال أخر في الله ليعقوب: ما قوَّس ظهرك ، وأذهب بصرك؟ قال: أذهب بصرى البكاء على يوسف ، وقوس ظهرى الحزن على بنيامين ، فأوحى الله إليه أتشكونى . . . إلى آخر ما مر .