قال أبو داود عن أبي هريرة عنه A: « إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب » أو قال: « العشب » وفي صحيح الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة ، عن جابر بن زيد رحمه اله ، وفي موطأ مالك عن أنس عنه A: « لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانًا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث » . وأسند أبو عمر بن عبد البر في التمهيد ، عن الزبير ، عن رسول الله A: « دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء حالقتا الدين لا حالقتا الشعر » . وفي الإحياء عنه A: « دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء ، والبغضة هي الحالقة لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين ، والذي نفس محمد بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ، ولن تؤمنوا حتى تحابوا ، ألا أنبئكم بما يثبت لكم افشوا السلام بينكم » وإن قلت: كل الكبائر تأكل الحسنات فما وجه تخصيص الحسد؟ قلت: المبالغة فيه ، وكونه أشد في الإيقاع في المعاصى الآخر وهو تمنى زوال النعمة عن النعم بها عليه ، والمحرم منه تقريره والإصغاء للنفس فيه ، وعمل اليد أو الجارحة بمقتضاه ، سواء عن مسلم أو كافر ، إلا أن تمنى زوالها عن كافر لإضراره بها ولا ضير بوقوعه في النفس ، لأنه ضرورى وعنه A: « ثلاثة لا ينجو منهن أحد: الظن والطيرة والحسد ، وسأحدثكم بالمخرج من ذلك: إذا ظننت فلا تحقق ، وإذا تطيرت فامض ، وإذا حسدت فلا تبغ » والحديث في صحيح الربيع ، وذكر الغزالي رواية أخرى أيضًا: « ثلاثة لا ينجو منهن أحد وقل من ينجو منهن . . » وذكر الحديث كما ذكرته .
{فَاعْفُوا} : عم ، اتركوهم ولا تشغلوقلوبكم ولا ألسنتكم بكلامهم
{وَاصْفَحُوا} : أي لا تجاوزهم على ما كان منهم ، والصفح الإعراض ، ويجوز أن يكون العفو ترك مجازاتهم على ما وقع منهم ، والصفح ترك المبالغة في معاتبتهم عليه وتوبيخهم ، ويجوز أن يكون العفو ترك العقوبة ، والصفح الإعراض عن المذنب ، كأنه يولى صفحة العنق .
{حَتَّى يَأتِىَ الله بأمْرِهِ} : وهو عقابهم بما شاء في الدنيا من قتل وسبى وغنم وإجلاء ، وفي الآخرة من تضييق قبر وعذابه ، وعذاب الحشر وعذاب النار ، أي لا تجازوهم حتى يكون الله هو الذي يجازيهم ، ولا تنتقموا منهم لأنفسكم ، وهذا معنى لا يقبل النسخ ، فليس قوله: {فاعفوا واصفحوا} منسوخًا بآية القتال لما ذكرته من أن ذلك لا يقبل النسخ ، ولأنه مغبا باتيان أمر الله ، والمقيد بغاية أو غيرها ، لا يسمى منسوخًا كما مر ، بل توفيقا على مدة أو قيد ما قال ابن عباس الآية منسوخة بقوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر .