فغضب وقال قالوا: تعمل أولا نعلم: فقال ابن عباس رضى الله عنهما: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين: قال: قل با ابن أخى ولا تحقر نفسك . قال: ضرب مثلا لعمل . قال: لأى عمل؟ قال: الرجل: عنى بعمل الحسنات ثم بعث الله له الشيطان فعمل المعاصى حتى غرق أعماله كلها . فرضى عمر ذلك منه ، وبمثل ذلك قال مجاهد وغيره ، وعن قتادة والحسن: هذا مثل قل والله من يعقله من الناس فاعقلوا عن الله أمثاله شيخ كبر سنه وضعف جسمه ورق عظمه وكثر عياله ، وكان أحوج ما يكون إلى جنته فاحترقت ، فإذا انقطعت الدنيا عن أحدكم وجاء يوم القيامة حين يكون أحوج إلى عمله ، فإنه لا يمكن أن يحب أن يقل عمله حينئذ وهو أفقر ما كان إليه ، وذلك في من أنفق ماله وأبطله بالمنّ والأذى ، أو بالرئاء ، فلا يجد له ثواب حين يبعث ، فالمثال عائد إلى قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا} الآية ، وفي روياة عن مجاهد: هذا مثال المفرط في العمل الصالح حتى يموت عليه ، وكل تفسير فإن صاحب تلك الجنة المحترقة يصيبه من الغم شيء عظيم ، ومن لا يعمل أو أبطل عمله غمه يوم القيامة أعظم لا يقدر قدره إلى الله ، ومن ذلك من علم العلم وترقى للملكوت ، ثم نكس إل الهوى والنفس والشيطان ، فإن ذلك إبطال لثمرة علمه ومكاشفة الملكوت .
{كَذلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُم الآياتِ لَعلَّكُم تتفكَّرونَ} : إذا تليت على من يتأملها رجى له التدبر بها والتفكر ، أو لتتفكروا وعن ابن عباس: {لعلكم تتفكرون} في زوال الدنيا واستقبال الآخرة ودوامها ، والمراد بالآيات الدلائل المذكورة في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم} ، إلى قوله {فاحترقت} أو نفس الآيات المذكورات ، أي يبينها لكم على ذلك الوجه الذي بينها لكم ، وليس المراد عادة تبيينها ، بل حكاية حال التبيين بعد انقاضئه وتصيره ، كأنه حاضر ، ويجوز أن يراد بالآيات غير ذلك من الآيات ، أي يبين الله لكم سائر الآيات ، كما يبين لكم هؤلاء الآيات ، فلا يهلك هالك إلا على العناد .