وتقول العرب: أكل فلان العرب: أكل فلان الدم ، أي الدية المبدلة منه . وقال الشاعر:
يأكلن كل ليلة إكافا ... أي ثمن الإكاف فسماه إكافا لأنهُ ثمنه ، وذلك مجاز مرسل ، ويجوز أن يكون شبه ما يأكلونه من المآكل المذكورة والرشاء بالنار ، فسماه باسم النار ، لأنهُ يحرق نور القلب ويزيد بطلانا للحسنات ، كما أن النار تحرق الحطب ، وتذهب المنفعة من الشيء الذي لا تليق به ، فيكون ذلك مجازًا استعاريًا ، ويجوز أن يكون المعنى ما يأكلون يوم القيامة في بطونهم إلا النار إذا دخلوا النار أكلوا منها كما كانوا يأكلون ما لا يحل ، فذلك حقيقة لا مجازا ، والوجه الأول هو قول الربيع وغيره: قال سمى مأكولهم نارًا ، لأنهُ يؤل بهم إلى النار ، ولزم الإنسان ألا يأخذ مالا على عمل الطاعة ولا على المعصية ، وهذا مسقط عظيم تهاونت به المالكية إلا قليلا منهم ، إذ أجازوا عمل الطاعات بالأجرة كالأذان والإقامة وتعليم الصبيان ، وقد رددت عليهم في الشامل ، ففى سنن داود عن عبادة بن الصامت أنهُ قال: علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن ، وأهدى إلى رجل منهم قوسا فقلت: ليست بمال ، وأرمى عليها في سبيل الله ، لآتين رسول الله ، A ، فلأسألنه ، فأتيه فقلت: يا رسول الله رجل أهدى إلى قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن ، وليست بمال وأرمى عليها في سبيل الله . قال: « إن كنت تحب أن تطوق من نار فاقبلها » وفي رواية فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله A ؟ قال: « جمرة بين كتفيك تقلدها وتعلقتها » وإن قلت معلوم أن الأكل ما يكون إلا في البطن ، فما فائدة قوله: {في بطونهم} قلت: تهويل الأمر وتفظيعه وتأكيد الزجر ، فإن الأكل ولو كان يشعر بالبطن لكن قد تصيب السامع بعض غفلة من استشعار كل الألم في ذلك وإذا قيل في بطونهم فكأنه قيل يأكلون النار ، وتباشر أمعاءهم ، ثم تتصل بكبدهم ورئتهم وقلبهم ونحو ذلك ، فيستشعر الألم كل الاستشعار ، هذا ما ظهر لي ، ويحتمل أن يكون قال: {في بطونهم} ليدل على أنهم يملئونها نارا ، ولو قال ما يأكلون إلا النار ، لم يشعر الكلام بأن بطونهم مملوءة بها ، والعرب إذا أرادوا أن يقولوا ملأ بطنه بطعام ، قالوا أكل في بطنه ، كأنهم قالوا باشر الطعام أمعاءه ومعدته كلهن حتى إذا ضاق بهن البطن ، أي أكل مقدار ما يشبع بدليل أنهم إذا أرادوا أن يصرحوا بأنه ألم يملأ بطنه قالوا أكل في بعض بطنه . فقال الشاعر:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمن خميصص
أي لا تشبعوا بأن سننكم سنة ضامرة ، قليلة الخير خفيفته ، ولا تتركوا الأكل بالكلية لتعفوا عن سؤال الطعام وما تشترونه به ، وفي ذكره تعالى {بطونهم} تهجين عليهم بأنهم باعوا الجنة ، ورضى الله بمطعم حقير قليل منقطع .