{وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} والمراد يصبكم لصدقه ولكنه جاء بما يداريهم به ويسلك معهم به طريق الانصاف في القول ويأتيهم من جهة المناصحة ويعلم أنه أقرب الى تسليمهم لقوله وأدخل في تصديقهم له وقبولهم وذلك انه قضي له بعض حقه فلا يظنون انه تعصب له ولذلك قدم الكذب وأطلق وأخر الصدق وقيده بالبعض كأنه قال لا أقل من أن يصيبكم بعض وعيده ويحتمل أن يريد بالبعض المصيب لهم ما يصيبهم في الدنيا وهو أظهر احتمالًا عندهم وقال أبو عبيدة المراد بالبعض هنا الكل وأنشد قول لبيد:
تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها
( فتراكِ ) اسم فعل بمعنى اترك كنزال أي أترك أمكنة إذا لم أرضها اذ لم ترتبط الحمام بعض النفوس أي كلها وهو يوم القيامة ورد بأن المراد بعض النفوس نفسه أي الى أن يموت من هو مشهور معروف لا يخفى ويجاب بأنه أراد أنه ذكر البعض ليوجب الكل فأشار بالبعض الى الكل ولا يقوم دليل على منع الكل في البيت نعم هو محتمل فلا شاهد له فيه ومع أبي عبيدة غيره في ذلك ولا خطأ فيه غايته انه أطلق اسم أحد الضدين على الآخر كقولك للسماء أرض أو أطلق اسم البعض على الكل ومن رد عليه كان أجفى من أن يفهم ما قلت وأيضًا يحتمل أن يريد أنه أطلق لفظ البعض وأراد الكل وهو العذاب كله وبقي البعض الآخر وهو النعيم وذلك أنه وعدهم بالنعيم أن آمنوا وبالعذاب إن كفروا فالعذاب كل لانه يصيبهم كله وعبر عنه بالبعض فكأنه قال يصيبهم بعض الوعدين وهو العذاب كله {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي} إلى دينه {مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} على الله هذا من كلام المؤمن ولما ينقض وهذا احتجاج ثالث والأول {أتقتلون} الخ والثاني {وإن يك كاذبا} إلى {يعدكم} والمراد بهذا الثالث اما الاحتجاج لموسى بأنه نبي ولو كان مسرفًا كذابًا لما هداه الله إلى البينات وعضده بالمعجزات وذلك قضية من الشكل الأول وأما من أخذله الله وأهلكه فلا حاجة الى قتله فإنكم متخلصون منه بلا قتل .
قال القاضي ولعله أراد المعنى الأول وخيل إليهم الثاني لتليين شكيمتهم وعرض به لفرعون فإنه مسرف كذاب لا يهديه الله الصواب قيل ما تلقاه أبو بكر عن رسول الله A أشد مما تولاه المؤمن من فزع من طوافه فأخذوه بمجامع ردائه فقالوا أنت تنهانا عما يعبد آباؤنا فقال نعم فقام أبو بكر فالتزمه من ورائه رافعًا صوته ( أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات ) قال ذلك وعيناه تسفحان حتى أطلقوه قال عمرو بن العاص أشد ما فعل المشركون برسول الله A أنه كان يصلي بفناء الكعبة وأقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله A ولوى ثوبه في عنقه وخنقه خنقًا شديدًا فأقبل أبو بكر Bه فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله A وقال ( أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) .