وقالوا أن اليهود أخبروا المؤمنين بما عذبهم الله به من الجنايات ، فقال بعضهم لبعض أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ، أي بما قضى عليكم من العذاب ليروا الكرامة لأنفسهم عليكم عند الله كما قال:
{لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُم} : ليخاصمكم أصحاب محمد في الفضل فيغلبوكم في إثبات الكرامة لأنفسهم عليكم في الدنيا والآخرة . والتفاسير الأولى في التحدث بما فتح الله أولى ، فيكون معنى ليحاجوكم عند ربكم ليخاصموكم عند ربكم في الدنيا والآخرة ، فتكون الغلبة لهم يقولون قد أقررتم أنهُ نبي حق في كتابكم فَلِمَ لا تتبعونه؟ وإذا أقررتم أنه رسلو الله إلى العرب خاصة ، فإن من ثبتت رسالته من الله ولو إلى إنسان واحد لا يكون كاذبًا ، فكل ما قال A صدق ، وقد قال: « بعثت للناس كافة » فهو صادق في البعث للناس كافة ، وجاء بالقرآن فهو صادق أنهُ من الله ، فثبتت رسالته إلى الناس كلهم ، وبطلت دعواكم في اختصاصه بالعرب . وقيل معنى: ( عند ربكم يوم القيامة ) واعترض تفسير العندية بيوم القيامة وحده ، أو به وبالدنيا ، بأن إخفاء ما بين لهم في التوراة لا يدفع المحاجة يوم القيامة ، وفي نفس الأمر وإن كان يدفعها في زعمهم . والجواب أن ذلك من كلام الكفرة ، ومعلوم أنهم يقولون ما لا يصح إما جهلا منهم ، وإما تجاهلا وعنادًا وإيهامًا للباطل أنهُ حق ، ويجوز أن يكون معنى العندية المحاجة بكتاب الله تعالى وهو التوراة ، بأن جعلوا المحاجة بما أخبروا المؤمنين به مما في التوراة محاجة عند الله ، تقول: لا يجوز كذا عند الله أو يجوز عنده ، تعنى أنه لا يجوز في كتابه أو يجوز فيه ، وتقول: يجوز كذا عند سيبويه تريد أنه يحكم به أو أنه في كتابه ، ويجوز أن يكون الكلام على تقدير مضاف ، أي ليحاجوكم به عند ذكر ربكم ، فإن ذكر أمر الدين والرسالة ذكر الله D ، أو ليحاجوكم به عند رسول ربكم ، أي بين يدى رسول ربكم وهو موسى ، واللام للصيرورة لأنهُ ليس غرضهم في التحدث أن يحاجهم المؤمنون ، لكن يؤول التحدث إلى أن يحاجهم المؤمنون بما حدثونهم به ، وقد أغنى الله المؤمنين عما يحدثونهم بالقرآن ، والوحي إلى رسول الله صلى الله عيه وسلم .
{أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} : خطاب ممن لا يحدث من اليهود لمن يحدث ، أو من يحدث لأولادهم ، أي أفلا تعقلون أنهم يحاجونكم بما تحدثونهم به ، فيغلبونكم في الحجة ، أو خطاب من الله تبارك وتعالى للمؤمنين متصل بقوله: {أَفَتَطْمَعُونَ} أي أفلا تعقلون أنهم لا يؤمنون .