{كذّلكَ} أي مثل ذلك الكيد العظيم {كِدْنا ليُوسُف} علمناه إباه وأوحينا إليه به ، فمن هذا يعلم أنه عليه السلام غير آثم في أقوالهم وأفعاله المذكورة مع إخوته ، لأنها بإباحة الله كما مرت الإشارة إليه وأن معنى كيد اللهه له تدبيره وتعليمه ليوسف كيف يتوصل إلى إبقاء أخيه عنده ، فذلك بمشيئة من الله ، فأوقع الكيد بمعنى تعليم الكيد ، وهو يقع بمعنى التدبير بحق كما هنا وبباطل ، وأو معنى كدنا يوسف مهلنا له الأمر في لطف وستر كما يكيد المخلوق بمكر وخديعة ، ويجوز أن يكون المعنى كما ألهمنا إخوة يوسف الحكم بأن جزاء السارق استعباده ، ولم يحكموا بغيره ، كذلك ألهمنا يوسف أن يدس الصاع في رحل أخيه ، أو كما كادوا على يوسف حتى ألقوه في الجب وباعوه ، كذلك كدنا له عليهم حتى رفعنا منزلته عليهم ، وكان ما كان ، وصدقنا رؤياه التيى أخذوها .
{ما كانَ ليأخذّ أخاه} بنيامين عبدا {في دِينِ الملك} أي حكم ملك مصر ، أو فيما اتخذه دينا وهوان يضرب السارق ويغرم ما أخذ ومثليه ، وقيل: ما أخذ ومثله ، قال مجاهد: وكان الملك مسلما ، وفي ذلك بيان للكيد أي من أين يتوصل إلى أخذ أخيه ، وليس دين الملك استعباد السارق لولا أن الله جل جلاله أوصله إليه بلطفه كما قال:
{إلا أنْ يشاءَ اللّهُ} أي ما كان ليأخذه إلا بمشيئة الله ، فالاستثناء مفرغ ، والباء مقدرة قبل حرف المصدر ، ويجوز كون منقطعا ، أي لكن مسيئة الله هي القاضية بالأخذ ، وجعله بعضهم متصلا ، وقدر إلا أن يشاء الله أن يجعل ذلك الحكم حكم الملك ، الاستثناء على هذا ، والوجه الأول الذي ذكرته يكون من أعم الأحوال .
{نرْفعُ درجاتٍ من نَشاءُ} في العلم ، كما رفعنا درجة يوسف فيه على إخوته ، وهم أيضا علماء ، وذلك دليل أن العلم أشرف شيء ، وأن ارتفاع يوسف بالعلم وبما لهم ، واعلم أخى أن العلم الذي مدح في القرآن والسنة في حق المخلوق ، هو ما يتولد عنه الخوف والخشية ، واتباع الأوامر ، والانتهاء عن النواهى ، لا مجرد إدراك المسائل وحفظها ، ومن أراد ظهور الحكمة على لسانه والعلم عن امتلاء قلبه بهما ، والتقى من سفل إلى علو ، فلينظر الدنيا بعين الزوال ، ولينزل نفسه منها منزلة المضطر إلى الميتة ، فما بين العبد وذلك إلا حب الدنيا .
وقيل: نرفع درجات من نشاء بالنبوة وهي أيضا نوع من العلم ، بل أِرف أنواعه ، وقرأ الكوفيون: درجات بالتنوين ، فيكون مَنْ مفعولا لنرفع ، ودرجات ظرف ، أو منصوب على نزع الباء أو في لو مفعول مطلق من نيابة اسم العين عن المصدر ، أي نفرع من نشاء رفعا ، وأما على الإضافة إلى من فدرجات مفعول به ، وقرئ برفع بالياء وتنوين درجات .