انتهى كلام الحسن . وفي إخباره تعالى إياهم بأنه يعلم الغيب وما يبدون وما يكتمون ، تلويح إلى عتباهم على قولهم: أتجعل؟ حيث قالوه ولم يتركوه . مع أن الأولى تركه ، والله تعالى عالم بما عساه أن يقال . فإن شاء بين لهم الحكمة في جعله خليفة . وقوله عز وعلا: {ألم أقل لكم} . إلى {تَكْتُمُونَ} استحضارًا لقوله: {إني أعلم ما لا تعلمون} على وجه أبسطه ، فقوله D: {إني إعلم} . . إلى {تكتمون} أبسط من قوله: {إني أعلم ما لا تعلمون} لكن لما كان معنى قوله: {إني أعلم ما لا تعلمون} هو شامل لمعنى قوله: {إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ والأَرْض وَمَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} لأن معنى {إني أعلم ما لا تعلمون} أعلم ما لا تعلمون مع ما يعلمون ، حكاه بلفظ آخر غير الأول إذ لم يقل ألم أقل لكم إني أعلم ما لا تعلمون ، ففى ذلك دليل على جواز الحكاية بالمعنى ، ولو اختلف اللفظ ، وازداد أو نقص ، وإنما استحضره احتجاجًا على قوله: {إني أعلم لما لا تعلمون} لأنه لما بين لهم أن آدم علم ما لم يعلموا ظهر كالشمس إنه يعلم ما لا يعلمون بل زاد ظهورا ، وأما أصل الظهور: فقد اعتقدوه ولما بين لهم ازدادوا علما ، فعلوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة ، كما دلت عليه الآية وقد ازدادوا كمالا ، كما ازدادوا علما ، كما دلت عليه هذه الآية . وقوله: {أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِم} مع قوله: {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بإِسْمَآئِهِمْ} ، وقوله: {قالوا سبحانك لا علم لنا إنك أنت العليم الحكيم} ألا تراهم زادوا خضوعا ومعرفة في حق الله وطمانيته ، ومنع بعض حكماء الإسلام ذلك في الطبقة العليا منهم ، لقوله تعالى: {وما منا إلا له مقام معلوم} وليس نصا في أنهم لا يزيدون . مع أن الأصل الزيادة ، إذ هم مكلفون ، لهم عقول ورغبة في الخير . وإنما قلت إن معنى: {إني أعلم ما لا تعلمون} شامل لمعنى {غنى أعلم غيب السموات . .} إلخ ولم أقل إنه نفس معناه لأنه أعم من معنى {إِنَّى أَعْلَمُ الغَيْبَ . .} إلخ . لأنه شامل لغير غيب السموات والأرض وغير ما يكتمون ، كغيب ما فوق السموات وما تحت الأرضين ، وفي قوله: {إني أعلم ما لا تعلمون} وقوله: {إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ والأَرْض} دليل على أنه تعالى يعلم الأِياء قبل أن تكون . لأن مما لا يعلمون ، ومن غيب السموات والأرض . ما سيكون . ومن ذلك علمه بأسماء المسميات قبل أن تكون .
وإن قلت: بم خاطب الله الملائكة؟ يعني قلت خلق لهم كلاما في الهواء أو في خلق من مخلوقاته فسمعوه ، أو خلق لهم كتابة خاطبهم بها . . والله أعلم . فكلامه - تعالى - على هذه المعاني مخلوق صفة فعل ولا شك ، وأما وصفه - تعالى - بالكلام ، على معن نفى الوصف بالخرس ، فصفة ذات ، ثم إنه لا يشك أحد أنه - تعالى - عالم في أزل بلا أول ، بكل كلام سيخلقه في الهواء ، أو حيث شاء أو يكتبه وهذا عام لسائر خطابه للملائكة والثقلين وغيرهم بأمر أو نهى غيرهما .