{رب ارجعون} وقيل: المراد بالتوفي أخذ الزبانية من المحشر الكفار لا قبض أرواحهم .
{ظَالِمى أَنفُسِهِمْ} : حال من هاء توفاهم ، حذفت نونه للاضافة وهو جمع وظلم أنفسهم بالاقامة في دار الشرك ، وقد وجبت الهجرة يومئذ ، لأن الله جل وعلا لا يقبل اسلام أحد الا أن هاجر الى رسول الله A ، أو كان حيث أمره رسول الله ، أو كان مستضعفا ، وبعد فتح مكة لم تجب الهجرة ، قال A: « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية » .
فقد قيل: إن الآية نزلت في أناس تكلموا بالاسلام ولم يهاجروا ، كقيس بن الوليد بن المغيرة ، خرجوا الى القتال مع المشركين كقيس المذكور ، أو لم يخرجوا ، روى أنه لما خرج المسلمون الى بدر خرجوا مع الكفار فقاتلوا ، وقيل: ظلموا بالشرك .
وقدى روى أن قوما خرجوا من مكة مع المشركين بقهر لقتال بدر ، قهرهم المشركون على الخروج ، ولم يعلموهم مسلمين اذ علموهم ، ولما رأوا شوكة المشركين وضعف المسلمين ارتابوا وارتدوا ، وقالوا: غر هؤلاء دينهم ، وقاتلوا المسلمين ، ويقتلهم المسلمون أو الملائكة ، لأن الله جل وعلا أمد المسلمين بالملائكة يوم بدر ، وقاتلوا قدرا أمرهم الله به فقيل: قتلوا هؤلاء بأن ضربوا وجوههم وأدبارهم .
{قَالُوا} : أي الملائكة لظالمى أنفسهم .
{فِيمَ كُنتُمْ} : أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم في صواب أم خطأ ، وفي وفاء في دين الصواب بأن هاجرتم مثلا ، أو في تقصير بأن تركتم الهجرة وخرجتم لقتال المسلمين ، ومن فريق المسلمين أنتم أو من فريق المشركين ، والاستفهام للتوبيخ والتقرير .
{قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ} : عولمنا بمعاملة الضعفاء ، لأنا من الضعفاء ، فقهرنا المشركون عن اقامة الدين ، واعلاء كلمته ، أو عن الهجرة أو عن الاسلام .
{فِى الأَرْضِ} : مطلقا ومنها أرض مكة ، وقيل في أرض مكة هذا اعتذار منهم ، أجابوا به الملائكة حين قالوا فيم كنتم ، والجواب والسؤال كلاهما بلفظ الماضي ، وهو مما يقوى أن التوفي مراد التسبب في موت قوم مضوا ، وعلى أن المراد الاستقبال أو الأخذ للنار يوم القيامة ، فالماضي لتحقق الوقوع ، وكذبهم للملائكة في قوله: مستضعفين بقولهم الذي ذكر الله بقوله:
{قَالُوا} : أي الملائكة .
{أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} : تنتقلوا فيها الى موضع منها تتمكنون فيه من دينكم ، كما هاجر من قبلكم الى المدينة والى الحبشة ، اذ هاجر بعض الصحابة الى الحبشة ، ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه سلم وغيره الى المدينة ضمن تهاجروا معنى تنتقلوا ، فعداه بفى مذكورة ، ثم بالى محذوفة ، كما رأيت ، ولعل حكمه التعدى بفى الى ضمير الأرض المبالغة في الهجرة بأن الدين حق بالهجرة اليه ولو بالانتقال الى سائر الأرض كلها ، كما يقال: أكل في بطنه ويراد أنه ملأه .