فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 7694

{ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط. . .} إلخ السورة، ويجوز حمل القرآن على الاستعمال الأول وهو معنى الشبيه، لأن ما صدقه راجع إل الثاني، لأنه سيق للبيان والإيضاح، ويجوز حمله على الثالث وهو ذو الشأن والغرابة من حال أو صفة أو قصة، فكأنه قبل صفة هؤلاء المنافقين الغريبة العجيبة الشأن.

{كَمَثَلِ الَّذِى اسْتَوْقَدَ نَارًا} : أي كصفته الغريبة العجيبة الشأن، حيث استوقد نارًا في ظلمة ثم زالت وبقى متحيرًا كما قال مولانا جل وعلا:

{فَلَمَّآ آضَآءَتْ} : أي النار {مَا حَوْلَهُ} : ما يقرب منه ويدور به من المواضع، فأبصر بعد أن كان لايبصر شدة الظلمة، واستدفأ بعد أن كان مقرورًا وآمن ما يخافه.

{ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم} : أي أذهبه. {وَتَرَكَهُمْ فِى ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} : ما حولهم فهم متحيرون عن الطريق خائفون، فكذلك هؤلاء المنافقون آمنوا ما خيافونه من القتل والأسر والغنيمة والسبى وغير ذلك، وزوال نعم حين أظهروا كلمة الشهادة وإذا ما يزال عنهم ذلك الأمن كما قال ابن عباس في القبر وما بعده، وجاءهم الخوف والعذاب لأنهم أضمروا الشرك، ومن كان منافقًا بالفسق من أهل التوحيد، فكذلك لأنهم آمنوا في الدنيا مما ذكر، وتوصلوا إلى مناكحة المسلمين وموارثتهم وغير ذلك، فإذا ماتوا جاءهم الخوف والعذاب، وزال ما معهم من النور الضعيف القليل الذي حصلوه من التوحيد، لأنهم لم يحققوه بعمل، فيجوز أن يكون ذلك مثلا مضروبًا لهؤلاء المنافقين بطريقة آخر هو أنه شبه حالهم حين أتاهم الله ضربًا من الهدى وهو التوحيد اللسانى فأضاعوه ولم يدخلوه قلوبهم، ففاتهم نعيم الأبد بمن أعطى في ظلمة عظيمة مخوفة نورا، فلم يتسمك به ولم يحافظ عليه حتى زال، فكلاهما متحير مضر.

وهذه الآية مقررة وموضحة لقوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما رحبت تجارتهم وما كانوا مهتدين} ، وبطريق آخر هو أنه شبه إيمانهم من حيث إنه سلمت به دماؤهم وأولادهم وأموالهم، وشاكروا المسلمين في المغانم والأحكام، ثم فضحهم الله سبحانه لنبيه A والمؤمنين، وأظهر نفاقهم فكان لهم اسم المنافق لا اسم المؤمن بنار أوقدت فانتفع بها قليلا في الظلمة ثم زالت، وهكذا حال الموحد المنافق بالنظر إلى انكشافه في الآخرة وقد ينكشف أيضًا في الدنيا، فتزول عنه الولاية وتوابعها، وبطريقآخرى وهو أن نرجع ضمير الهاء للكفار المحض والكفار المنافقين بأن يشبهوا في إعراضهم عن فطرة الإسلام أي فطروا عليها، ونمكن عقولهم من نور الهدى بمن لم يحافظ على النور الذي حصل في ظلمة فضاع عنه، وبطريق آخر هو أن نرجع الضمير للكفار المحض الباقين على الكفر، والمرتدين إليه بعد الإسلام والكفار المنافقين، فإن كلا قد زال عنه نور الإسلام كزوال نور النار في ظلمة، وفي معنى ذلك كل من زال عن درجة في الإسلام إلى ما دونها، ولو لم يكن يحكم بهلاكه ولا بإطلاق أصم وأبكم وأعمى عليه، اللهم إلا بقيد النسبة إلى الدرجة التي نزل عنها، وقال قوم منهم قتادة: إن المعنى أن نطقهم بلا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والقرآن كإضاءة النار، واعتقادهم الكفر بقلوبهم كانطفائها، والمراد بالذي الجنس، ولذلك عاد عليه ضمير الجمع في قوله: بنورهم، أو لكونه نعتًا لمحذوف مفرد في اللفظ جمع في المعنى، كالفريق والفوج والقوم ونحو ذلك، مما هو مفرد لظفًا جمع في المعنى، أو لأن المراد مثل كل واحد منهم، كثمثل الذي استوقد نارًا، ووج ههالشبه بين الإسلام والنور أن كلا يزيل الحيرة والهلاك، وضرب المثل بالنار لأن المستضئ بها مستضئ بنور غيره، وإذا ذهب بقى في ظلمة فلما أقروا بدون اعتقاد كان إيمانهم كالمستعار، ولأن النار تحتاج لمادة الحطب لتدوم، والإيمان يحتاج لمادة الاعتقاد ليدوم، واستعمل الذي بمعنى الذين تخفيفًا بإسقاط النون فهي في الحقيقة لفظ الذين، أو استعمالا كالموصولات المشتركة مثل من، وعلى كل وجه روعى لفظه في استوقد وحوله ومعناه في نورهم وما بعده إلا على تأويل: مثل كل واحد منهم كمثل الذي فإنه مفرد لفظ ومعنى، وإن قلت جاز مراعاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت