الكتاب: تفسير هميان الزاد إلى دار المعاد - إباضي
مصدر الكتاب: موقع التفاسير
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
التعريف بمؤلف هذا التفسير
مؤلف هذا التفسير هو محمد بن يوسف بن عيسى بن صالح إطفيش الوهبى، الإباضى، وهو من وادى ميزاب بصحراء الجزائر من بلاد المغرب. نشأ بين قومه، وعُرِف عندهم بالزهد والورع .. واشتغل بالتدريس والتأليف وهو شاب لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، وانكبَّ على القراءة والتأليف، حتى قيل إنه لم ينم في ليلة أكثر من أربع ساعات. وله من المؤلفات في شتَّى العلوم ثروة عظيمة تربو على الثلاثمائة مؤلَّف ... فمن ذلك: نظم المغنى لابن هشام خمسة آلاف بيت .. وكان ذلك في شبابه، وشرح كتاب التوحيد للشيخ عيسى بن تبغورين وهو من أهم مؤلفاته في علم الكلام، وشرح كتاب العدل والإنصاف في أُصول الفقه لأبي يعقوب يوسف ابن إبراهيم الورجلانى، وله في الحديث: وفاء الضمانة بأداء الأمانة، وهو مطبوع في ثلاثة مجلدات، وجامع الشمل في حديث خاتم الرسل، وهو مطبوع في مجلد واحد. وله في الفقه شرح كتاب النيل. وهو مطبوع في عشر مجلدات، وله مؤلفات أخرى في النحو والصرف، والبلاغة، والفلك، والعروض، والوضع، والفرائض، وغيرها.
وأما التفسير فله فيه"داعي العمل ليوم الأمل"، لم يتم ... و"هميان الزاد إلى دار المعاد"، وهو ما نحن بصدده ... و"تيسير التفسير"، وهو مختصر من السابق. هذا، وقد توفى المؤلف سنة 1332 هـ (اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة) ، وله من العمر ست وتسعون سنة.
التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه
يعتبر هذا التفسير هو المرجع المهم للتفسير عند الإباضية من الخوارج، غير أنه لا يُصور لنا حالة التفسير عندهم في عصورهم الأولى، وذلك لقرب عهد مؤلفه، وتأخره عن زمن كثير من التفسير الذين وافقوه على مذهبه، والذين خالفوه فيه.
ولقد جرت سُنَّة الله بين المؤلفين أن يأخذ اللاحق من السابق، وأن يستفيد المتأخر من المتقدم، وصاحبنا في تفسيره هذا، استمد من كتب مَن سبقه من المفسِّرين على اختلاف نِحَلهم ومشاربهم وإن كان يدَّعى في مقدمته أن لا يُقلِّد فيه أحدًا إلا إذا حكى قولًا، أو قراءة، أو حديثًا، أو قصة، أو أثرًا لسَلَف. وأما نفس تفاسير الآى، والرد على بعض المفسِّرين، والجواب، فمن عنده إلا ما نسبه لقائله. كما يَدَّعى أنه كان ينظر بفكره في الآية أولًا، ثم تارة يوافق نظر جار الله الزمخشرى، والقاضي البيضاوى - وهو الغالب - وتارة يخالفهما، ويوافق وجهًا أحسن مما أثبتناه أو مثله.
ومهما يكن من شيء فلا يسعنا إلا أن نقول: إن الرجل - وقد قرأ الكثير من كتب التفسير - تأثر بما جاء فيها، واستفاد الكثير من معانيها مما يدعونا إلى القول بأن تفسيره يمثل التفسير المذهبى للخوارج الإباضية في أواخر عصورهم فقط، وبعد أن خرجوا من عزلتهم التي مكثوا فيها مدة طويلة من الزمن.
نقرأ في هذا التفسير فنجد أن صاحبه يذكر في أول كل سورة عدد آياتها، والمكى منها والمدنى، ثم يذكر فضائل السورة، مستشهدًا لذلك في الغالب بالأحاديث الموضوعة في فضائل السور، ثم يذكر فوائد السورة بما يشبه كلام المشعوذين الدجَّالين، ثم بعد ذلك كله يشرح الآيات شرحًا وافيًا، فيُسهب في المسائل النحوية، واللُّغوية، والبلاغية، ويفيض في مسائل الفقه، والخلاف بين الفقهاء كما يتعرض لمسائل علم الكلام ويفيض فيها، مع تأثر كبير بمذهب المعتزلة، كما لا يفوته أن يعرض للأبحاث الأصولية والقراءات، وهو مكثر إلى حد كبير من ذكر الإسرائيليات التي [لا] (*) يؤيدها الشرع، ولا يصدقها العقل، كما يطيل في ذكر تفاصيل الغزوات التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم هو بعد ذلك لا يكاد يمر بآية يمكن أن يجعلها في جانبه إلا مال بها إلى مذهبه، وجعلها دليلًا عليه، ولا بآية تصارحه بالمخالفة إلا تلَّمس لها كل ما في طاقته من تأويل، ليتخلص من معارضتها .. وقد يكون تأويلًا متكلفًا، وفاسدًا، لا ينجيه من معارضة الآية له، لكنه التعصب الأعمى ... يدفع الإنسان إلى أن ينسى عقله، ويطرح تفكيره الصائب، ليمشى مع الهوى بعقل فارغ وتفكير خاطيء!! .. وإليك بعض ما جاء في هذا التفسير، لتقف على مسلك صاحبه في فهمه لآيات القرآن الكريم:
حقيقة الإيمان
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الآيتين [2 - 3] من سورة البقرة: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} . نراه يقرر:"أن الإيمان يُطلق على مجموع الاعتقاد، والإقرار، والعمل"، ثم يقول:"فمَن أخلَّ بالاعتقاد وحده، أو به وبالعمل، فهو مشرك من حيث الإنكار، منافق أيضًا من حيث أنه أظهر ما ليس في قلبه، ومَن أخلَّ بالإقرار وحده، أو بالإقرار والعمل، فهو مشرك عند جمهورنا وجمهور قومنا. وقال القليل: إنه إذا أخلَّ بالإقرار وحده، مسلم عند الله من أهل الجنة، وإن أخلَّ به وبالعمل ففاسق كافر كفر نعمة، وإن أخلَّ بالعمل فقط، فمنافق عندنا، فاسق ضال، كافر كفرًا دون شرك غير مؤمن الإيمان التام".. ثم قال:"واختلف الخوارج .. وهم الذين خرجوا عن ضلالة علىّ، فقالت الإباضية الوهبية، وسائر الإباضية فيمن أخلَّ بواحد من الثلاثة: ما تقدم من إشراكه بترك الاعتقاد، أو بترك الإقرار، وينافق بترك العمل. ويثبتون الصغيرة. وقال الباقون كذلك وإنه لا صغيرة. ومذهب المحدثين أن انضمام العمل والإقرار إلى الاعتقاد على التكميل لا على أنه ركن. ونحن نقول: انضمامها إليه ركن، وهما جزء ماهيته".
ومثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية [25] من سورة البقرة: {وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار} ... الآية، نراه يحاول محاولة جدية في تحقيق أن العمل جزء من الإيمان، ولا يتحقق الإيمان بدونه. فيقول:"ترى الإنسان يفيد كلامه مرة واحدة بقيد، فيحمل سائر كلامه المطلق على هذا التقييد، فكيف يسوغ لقومنا أن يلغوا تقييد الله - عَزَّ وجَلَّ - الإيمان بالعمل الصالح مع أنه لا يكاد يذكر الفعل من الإيمان إلا مقرونًا بالعمل الصالح؟ بل الإيمان نفسه مفروض لعبادة مَن يجب الإيمان به وهو الله تعالى، إذ لا يخدم الإنسان مثلًا سلطانًا لا يعتقد بوجوده، وثبوت سُلْطته، فالعمل الصالح كالبناء النافع، المظلل المانع للحر، والبرد والمضرات، والإيمان أُس، ولا ينفع الأُس بلا بناء عليه، ولو بنى الإنسان أُلوفًا من الأُسس ولم يبن عليها لهلك باللصوص، والحر، والبرد، وغير ذلك، فإن ذكر الإيمان مفردًا قيد بالعمل الصالح. وإذا ذكر العمل الصالح، فما هو إلا فرع الإيمان، دليل على أن كلًا منهما غير الآخر، لأن الأصل في العطف المغايرة بين المتعاطفين، ففى عطف الأعمال الصالحات على الإيمان إيذان بأن البشارة بالجنَّات، وإنما يستحقها مَن جمع بين الأعمال الصالحات والإيمان".
موقفه من أصحاب الكبائر
كذلك نجد المؤلف يحاول أن يأخذ من القرآن ما يدل على أن مرتكب الكبيرة مخلَّد في النار وليس بخارج منها.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية [81] من سورة البقرة: {بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولائك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .. يقول: {سَيِّئَةً} خصلة قبيحة، وهى الذنب الكبير، سواء أكان نفاقًا أو إشراكًا، ومن الذنوب الكبيرة: الإصرار، فإنه نفسه كبيرة، سواء أكان على الصغيرة أو الكبيرة، والدليل على أن السيئة: الكبيرة قوله: {فأولائك أَصْحَابُ النار} .. ويحتمل وجه آخر وهو أن السيئة: الذنب صغيرًا أو كبيرًا، ثم يختَص الكلام بالكبيرة بقوله: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته} .
وإن قلت روى قومنا عن ابن عباس رضى الله عنهما أن السيئة هنا الشرك. وكذا قال الشيخ هود - رحمه الله - إنها الشرك. قلت: ما ذكرته أولى مما ذكراه، فإن لفظ السيئة عام، وحمله على العموم أولى، إذ ذلك تفسير منهما لا حديث، ولا سيما أنهما وقومنا يعترفون بأن الكبيرة تُدْخِل فاعلها النار، ولم يحصروا دخولها على الشرك، ومعترفون بأن لفظ الخلود يُطلق على المكث الكبير، سواء أكان أبديًا، أو غير أبدى، وادعاء أن الخلود في الموحِّدين بمعنى المكث الطويل، وفى الشرك بمعنى المكث الدائم، استعمال للكلمة في حقيقتها ومجازها، وهو ضعيف، وأيضًا ذكر إحاطة الخطيئات ولو ناسب الشرك كغيره، لكنه أنسب بغيره، لأن الشرك أقوى {وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته} .. ربطته ذنوبه وأوجبت له دخول النار، فصار لا خلاص له منها، كمن أحاط به العدو، أو الحرق، أو حائط السجن، وذلك بأن مات غير تائب"."
حملته على أهل السُّنَّة
ونرى المؤلف كلما سنحت له الفرصة للتنديد بجمهور أهل السُّنَّة القائلين بأن صاحب الكبيرة من المؤمنين يُعذَّب في النار على قدر معصيته، ثم يدخل الجنة بعد ذلك، ندَّد بهم ولمزهم.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية [4] من سورة البقرة: {والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ} .. يقول:".. وترى أقوامًا ينتسبون إلى المِلَّة الحنيفية يضاهئون اليهود في قولهم: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودات".
مغفرة الذنوب
ثم إن المؤلف حمل كل آيات العفو والمغفرة على مذهبه القائل: بأن الكبائر لا يغفرها الله إلا بالتوبة منها والرجوع عنها، ويحمل على الأشاعرة القائلين بأن الله يجوز أن يغفر لصاحب الكبيرة وإن لم يتب.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الاية [284] من سورة البقرة: {وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} يقول:"ولا دليل في الآية على جواز المغفرة لصاحب الكبيرة الميت بلا توبة منها، كما زعم غيرها، لحديث، هلك المُصِّرون".
وعند قوله تعالى في الآية [129] من سورة آل عمران: {وَللَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ} .. يقول:"يغفر لمن يشاء الغفران له بأن يوفقه للتوبة، ويُعذِّب مَن يشاء تعذيبه بأن لا يوفقه، وليس من الحكمة أن يُعذِّب المطيع الموفى، وليس منها أن يرحم العاصى المُصِّر، وقد انتفى الله من أن يكون ظالمًا، وعد من الظلم: النقص من حسنات المحسن، والزيادة في سيئات المسيء، وليس من الجائز عليه ذلك، خلافًا للأشعرية في قولهم: يجوز أن يدخل الجنة جميع المشركين، والنار جميع الأبرار. وقد أخطأوا في ذلك ...".
وعند تفسيره لقوله تعالى في الآية [53] من سورة الزمر: {إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم} .. يقول:"بشرط التوبة منها، بدليل التقييد بها في مواضع من القرآن والسُّنَّة، والمطلق يُحمل على المُقَيَّد. وقد ذُكِرَت في القرآن مرارًا شرطًا للغفران، فذكرها فيما ذكرت. ذكر لها فيما لم تذكر، وإنما تحذف لدليل، والقرآن في حكم كلام واحد لا يتناقض حاشاه، وأيضًا يليق أن يذكر لهم أنه يغفر الكبائر بلا توبة مع أنه ناه عنها، لأن ذلك يؤدي بهم إلى الاجتراء عليها. وقد أخفى الصغائر لئلا يُجترأ عليها من حيث أنه غفرها. ويدل لذلك تعقيب الآية بقوله: {وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ} [الزمر: 54] لئلا يطمع طامع كالقاضي - يريد البيضاوى - في حصول المغفرة بلا توبة. ويدل له أيضًا قراءة ابن مسعود وابن عباس:"يغفر الذنوب جميعًا لمن يشاء"أى لمن يشاؤه بالتوبة .. وأما قوله: {إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم} فاستئناف معلل لمغفرة الذنوب بالتوبة، أي يغفرها، ويقبل التوبة منها. لأن من شأنه الغفران العظيم والرحمة والعظيمة وملكه وغناه واسع لذلك. والمراد بالآية: التنبيه على أنه لا يجوز لمن عصى الله - أى عصيان كان - أن يظن أنه لا يغفر له، ولا يقبل توبته، وذلك مذهبنا معشر الإباضية، وزعم القاضي وغيره: أن الشرك يُغفر بلا توبة، ومشهور مذهب القوم: أن الموحِّد إذا مات غير تائب: يُرجى له، وأنه إن شاء عذَّبه بقدر ذنبه وأدخله الجنة. وإن شاء غفر له. ومذهبنا: أن مَن مات على كبيرة غير تائب: لا يُرجى له".
رأيه في الشفاعة
ويرى المؤلف: أن الشفاعة لا تقع لغير الموحدِّين، ولا لأصحاب الكبائر، ومن خلال رأيه هذا ينظر إلى آيات الشفاعة فلا يرى فيها إلا ما يتفق ومذهبه.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية [48] من سورة البقرة: {واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} .. يقول:".."
وإن قلت: فهل الشفاعة والفداء بالعدل واقعان ولكن لا يُقبلان؟ أم غير واقعين؟ قلت: غير واقعين، أما مَن تأهل للشفاعة من الملائكة والأنبياء والعلماء والصالحين، فلا يتعرضون بها لمن ظهرت شقاوته لهم. فإن تعرَّضوا بها لهم قبل أن تظهر لهم، قيل لهم: إنهم بَدَّلُوا وغيَّروا، وليسوا أهلًا لها، فيتركوا التعرض لها. وأما من لم يتأهل لها فمشغول بنفسه لا يدرى ما يُفعل به"."
وعند تفسيره لقوله تعالى في الآية [123] من السورة نفسها: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} ... يقول .. {وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} لعدمها هناك، فالمراد أنه لا شفاعة تنفعها، فالشفاعة هنالك منفية من أصلها، وليس المراد أنه هناك شفاعة لا تُقبل. وإنما ساغ ذلك، لأن القضية السالبة تصدق بنفى الموضوع، كما تصدق بنفى المحمول، فكما تقول: ليس زيد قاعدًا في السوق، وتريد أنه فيها لكنه قائم، كذلك تقول: ليس زيد قاعدًا فيها، وتريد أنه ليس فيها أصلًا، وذلك مخصوص بالمشرك، فإنه لا شفاعة له هنالك إلا شفاعة القيام لدخول النار، ولا نفع له في دخول النار، وإنما الشفاعة للموحِّد التائب"."
وعند قوله تعالى في الآية [159] من سورة الأنعام: {إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} ... الآية، يقول:"فالآية نص - أو كالنص - في أن لا شفاعة لأهل الكبائر. أى أنت برئ منهم على كل وجه، وقد علمت عن عمر وأبي هريرة أن الآية في أهل البدع من هذه الأمة".
رؤية الله تعالى
ويرى صاحبنا: أن رؤية الله تعالى غير جائزة ولا واقعة لأحد مطلقًا، ويُصرِّح بذلك في تفسيره لآيات الرؤية، ويرد على أهل السُّنَّة الذين يقولون بجوازها في الدنيا، ووقوعها للمؤمنين في الآخرة.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية [55] من سورة البقرة: {وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً} ... الآية، نراه يذكر ما ورد من الروايات في هذا الباب، ومن الروايات رواية تفيد: أن موسى سأل ربه أن ينظر إليه بالمجاهرة، يعقب عليها فيقول:"وهذه الرواية تقتضى أن موسى يجيز الرؤية، حتى سألها ومُنعَها ... وليس كذلك، بل إن صح سياق هذه الرواية فقد سألوه الرؤية قبل ذلك، فنهاهم عن ذلك وحرَّمه، أو سكت انتظارًا للوحى في ذلك، فلما فرغ وخرج، عاودوه ذكر ذلك، فقال لهم: قد سألته على لسانكم كما تحبون، لأخبركم بالجواب الذي يقمعكم لا لجواز الرؤية، فتجلَّى للجبل بعض آياته فصار دكًا، فكفروا بطلب الرؤية، لاستلزامها اللون، والتركيب، والتحيز، والحدود، والحلول، وذلك كله يستلزم الحدوث، وذلك كله محال على الله، وإذا كان ذلك مستلزمًا عقلًا لم يختلف دنيا وأخرى، فالرؤية محال دنيا وأخرى. ولا بالإيمان، والكفر، والنبوة، وعدمها".
وعند قوله تعالى في الآية [153] من سورة النساء: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السمآء فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً} ... الآية، يقول: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِم} إذ سألوا رؤية الله جَلَّ وعَلا الموجبة للتشبيه ... وقالت الأشعرية: الصاعقة إنما هى من أجل امتناعهم من الإيمان بما وجب إيمانه إلا بشرط الرؤية، لا من أجل طلب الرؤية. وهو خلاف ظاهر الآية، مع أن الرؤية توجب التحيز، والجهات، والتركيب، والحلول، واللون، وغير ذلك من صفات الخلق. ويدل لما قلته قوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار} [الأنعام: 103] . والأشعرية لما أُفحموا قالوا: بلا كيف. وحديث الرؤية - إن صح - فمعناه: يزدادون يقينًا بحضور ما وعد الله في الآخرة، فلا يشكون في وجود الله وكمال صدقه، وقدرته، كما لا يشكون في البدر"."
أفعال العباد
وإذا كان المؤلف يتأثر بآراء المعتزلة أحيانًا، فإنه يُصرِّح بمخالفتهم في بعض المسائل، فمثلًا نراه يقرر: أن فعال العباد كلها بإرادة الله تعالى وأن العبد لا يخلق أفعال نفسه. ونراه يرد على المعتزلة ولا يرضى موقفهم من هذه المسألة، فمثلًا عندما فسَّر قوله تعالى في الآية [107] من سورة الأنعام: {وَلَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} ... الآية، يقول:"ولو شاء الله عدم إشراكهم بالله تعالى ما أشركوا به تعالى شيئًا، فالآية دليل على أن إشراكهم بإرادة الله ومشيئته، وفيه رد على المعتزلة في قولهم: لم يرد معصية العاصى .. وزعموا أن المعنى: لو شاء الله لأكرههم على عدم الإشراك، ولزم عليهم أن يكون مغلوبًا على أمره إذا عُصى ولم يرد المعصية، بل أراد الإيمان منهم ولم يقع - تعالى الله عن ذلك - والحق أن المعصية بإرادته ومشيئته، مع اختيار العاصى، لا جبر، للذم عليها والعقاب والنهي عنها".
وعند تفسيره لقوله تعالى في الآية [62] من سورة الزمر: {الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ... يقول:"من إيمان، وكفر، وخير، وشر، مما هو كائن دنيا وأُخرى".
موقفه من المتشابه
كذلك نجد المؤلف يقف من المتشابه موقف التأويل، ويعيب على مَن يقول بالظاهر، وإن فوَّض علمه وكيفيته لله.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية [210] من سورة البقرة: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام والملائكة وَقُضِيَ الأمر وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} .. يقول: {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام} على حذف مضاف: أي أمر الله. بدليل قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} ... والحاصل، أن مذهبنا ومذهب هؤلاء - يريد المعتزلة ومن وافقهم - تأويل الآية عن ظاهرها إلى ما يجوز وصف الله به"."
وعند تفسيره لقوله تعالى في الآية [42] من سورة المائدة: {وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُمْ بالقسط إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين} .. نراه يذكر الحديث القائل:"إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين"، ثم يقول:"ويمين الرحمن عبارة عن المنزلة الرفيعة، والعرب تذكر اليمين في الأمر الحسن، ودل لذلك قوله:"وكلتا يديه يمين"، والتأويل في مثل ذلك هو الحق. وأما قول سَلَف الأشعرية في مثل ذلك: إنَّا نؤمن به وننزهه عن صفة الخلق ونكل معناه إلى الله، ونقول: هو على معنى يليق به ... وكذا طوائف من المتكلمين، فجمود وتعام عن الحق".
وعند تفسيره لقوله تعالى في الآية [54] من سورة الأعراف: {إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش} ... الآية، يقول:"واستوى: بمعنى استولى بالملك، والغلبة والقوة، والتصرف في كيف شاء، و"العرش": جسم عظيم وذلك مذهبنا ومذهب المعتزلة، وأبي المعالي وغيره من حُذَّاق المتكلمين، وخص العرش بذكر الاستيلاء لعظمته".
موقفه من تفسير الصوفية
ونجد المؤلف يبدى رأيه في تفسير الصوفية بصراحة تامة، ويحمل على مَن يُفسِّر هذا التفسير، فيقول عند تفسيره لقوله تعالى في الآية [3] من سورة البقرة: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} :".. قيل: ويحتمل أن يُراد الإنفاق من جميع ما رزقهم الله من أنواع الأموال، والعلم، وقوة البدن، والجاه، وفصاحة اللسان .. ينفعون بذلك عيال الله سبحانه وتعالى على الوجه الجائز، وقيل: المعنى: ومما خصصناهم به من أنوار معرفة الله - جَلَّ وعَلا - يفيضون .. وهذا القول والذي قبله أظنهما للصوفية أو لمن يتصوف، وليس تفسير الصوفية عندي مقبولًا إذا خالف الظاهر، وكان تكلفًا، أو خالف أُسلوب العربية ولا أعذر مُن يُفسِّر به ولا أقبل شهادته، وأتقرب إلى الله تعالى ببغضه والبراءة منه، فإنه ولو كان في نفسه حقًا لكن جعله معنى للآية أو للحديث خطأ لأنه خروج عن الظاهر وأساليب العرب التي يتخاطبون بها وتكلف من التكلف الذي يبغضه الله، فإن القولين وإن ناسبهما قوله صلى الله عليه وسلم:"إنَّ علمًا لا يقال به ككنز لا يُنفق منه"الذي رواه الطبرى في الأوسط، لكن لا يصحان تفسيرًا للآية، إذ لا يتبادر ذلك لا يجرى على أسلوب العرب والقول الأخير أبعد، وأنا أعد اعتقادى ذلك نورًا ومعرفة أفاضها الله الرحمن الرحيم علىّ. وقد أقبل القول الذي قبله لأنه قريب من أُسلوب العرب. قليل التكلف، والصحيح أن المراد: النفقة الواجبة وغير الواجبة من المال."
موقفه من الشيعة
وصاحبنا لا يُسلِّم للشيعة استدلالهم على إمامة علىّ بقوله تعالى في الآية [55] من سورة المائدة: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ} ... بل نراه يفند احتجاجهم بالآية فيقول:"وزعم الشيعة أن: {والذين آمَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة} ... إلى: {رَاكِعُونَ} المراد به علىّ بن أبي طالب، وأن جملة {وَهُمْ رَاكِعُونَ} حال من واو {وَيُؤْتُونَ الزكاة} وهى مقارنة، وأنه أعطى الزكاة وهو في الصلاة راكع، سأل سائل وهو في ركوع الصلاة فأعطاه خاتمه في حال ركوعه وأراد به الزكاة، وعبَّر عنه بالجمع تعظيمًا، وهى دعوى بلا دليل عليها والأصل العموم، والأصل أن لا يُطلق لفظ الجمع على المفرد، ومن دعوى الشيعة أن المراد بالولى - في الآية - المتولى للأمور المستحق للتصرف فيها، وأن هذه الآية دليل على إمامة علىّ ... وهذا أيضًا تكلف بلا دليل".
رأيه في التحيكم
ونرى المؤلف يتأثر في تفسيره هذا بعقيدته في مسألة التحيكم بين علىّ ومعاوية رضي الله عنهما، فيفر من الآيات التي تعارضه، ويمكن أن تكون مستندًا لمخالفيه.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية [35] من سورة النساء: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فابعثوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ} ... الآية، نراه يقول:"ولا دليل في الآية على جواز التحكيم، لأن مسألة الحال إنما هى ليتحقق بالحَكَمين ما قد يخفى من حال الزوجين، بخلاف ما إذا ظهر بطلان إحدى الفرقتين بأن الله قد حكم بقتالها، وأيضًا المراد هنا: الإصلاح مثلًا لا مجرد بيان الحق".
وعند تفسيره لقوله تعالى في الآية [9 - 10] من سورة الحجرات: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} ... إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} .. يقول: والإصلاح بالنصح والدعاء إلى حكم الله ... ثم يقول: وسمع علىّ رجلًا يقول في ناحية المسجد: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم في أيدينا، ولا نبدأكم بقتال. قلت: الحق أنه إذا حكم الله بحكم في مسألة فلا حكم لأحد فيها سواه، فالحق مع الرجل، ولو كان علىّ أعلم عالِم. ثم قال: قيل: وفى الآية دليل على أن البغى لا يزيل اسم مؤمن، لأن الله سماهم مؤمنين مع كونهم باغين ... وسماهم إخوة مؤمنين، قلت: لا دليل، أما: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين} فتسميتهم فيه مؤمنين: باعتبار ما يظهر لنا قبل ظهور البغى، أما: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ} فتسميتهم فيه مؤمنين إخوة: باعتبار ما ظهر لنا قبل البغى، فقوله: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} فى معنى اهدوهم إلى الحال التي كانوا عليها قبل. أو المراد بالمؤمن: الموحد لا الموفى، بدليل:"لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن". وأما لفظ: آمن وإيمان، فلا يختصان بالموفى"."
إشادته بالخوارج وحطه من قدر عثمان وعلىّ ومَن والاهما
ثم إنه لا تكاد تأتى لذكر الخوارج إلا رفع من شأنهم، ولا لذكر علىّ، أو عثمان، أو مَن يلوذ بهما إلا وغضَّ من شأنهم، ورماهم بكل نقيصة.
فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في الآيتين [105 - 106] من سورة آل عمران: {وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ البينات وأولائك لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} ... إلخ، نراه يعيب على مَن يقول من المفسِّرين: إن الذين تفرَّقوا واختلفوا هم مَن خرج علَى علىّ عند قبوله التحكيم، ويقول: إن أمر الحَكَمين لم يكن حين نزلت الآية، بل في إمارة علىّ، و {تَفَرَّقُواْ واختلفوا} صيغتان ماضويتان، ولا دليل على صرفها للاستقبال، ولا على التعيين لمن ذكر، بل دلَّت الآية على خلوصهم من ذلك، وعلى أنهم المحقون الذين تَبْيَضُ وجوههم، فمَن خالفهم فهو داخل في قوله تعالى: {فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} .. وهو يعم كل مَن كفر بعد إيمانه. واعلم أنه قد خرج على علىّ حين أذعن للحكومة صحابة كثيرون - رضى الله عنهم - وتابعون كثيرون، فترى المخالفين يذمون ويشتمون مَن خرج عنه، ويلعنونه، غير الصحابة الذين خرجوا عنه، والخروج واحد: إما حق في حق الجميع، وإما باطل في حق الجميع .. فإذا كان حقًا في جنب الكل، فكيف يشتمون مَن خرج عليه غير الصحابة، وإن كان باطلًا في جنب الكل، فقد استحق الصحابة الشتم أيضًا ... عافاهم الله. ونرى المخالفين يروون أحاديث لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد يصح الحديث ويزيدون فيه. وقد يصح ويؤولونه فينا وليس فينا"."
ثم سرد المؤلف بعض الأحاديث التي حملت عليهم، وردها بعدم صحتها، أو بحملها على غلاة الخوارج كالصفرية، أو بحملها على مَن قبل التحكيم. ثم قال:"والدليل الأقوى على أن تلك الأحاديث ليست فينا ولا فيمن اقتدينا بهم، وأن الراضين بالتحكيم هم المبطلون، ما رواه أبو عمر، وعثمان بن خليفة: أن رجلًا من تلاميذ أبي موسى الأشعرى - عبد الله بن قيس - لقيه بعد ما وقع فيما وقع من أمر التحكيم، فقال له: قف يا عبد الله بن قيس أستفتك، فوقف .. وكان التلميذ قد حفظ عنه أنه حكى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"سيكون في هذه الأمة حَكَمان ضالان مُضلان يضلان ويضل مَن اتبعهما"قال: فلا تتبعهما وإن كنت أحدهما. ثم قال له التلميذ: إن صدقت فعليك لعنة الله، وإن كذبت فعليك لعنة الله."
ومعنى ذلك: إن كانت الرواية التي رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة ثم وقع فيها، فعليه لعنة الله، وإن كان كاذبًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعليه، لعنة الله، لنقله الكذب عن رسول الله، لا محيص عن الأمرين جميعًا"."
وعند تفسيره لقوله تعالى في الآية [39] من سورة التوبة {إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ} ... الآية، نراه يحاول الغض من شأن عثمان الذي بذل ماله في غزوة تبوك دفاعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونُصْرة لدين الله فيقول:"... وعن عمران بن حصين أن نصارى العرب كتبت إلى هرقل: إن هذا الرجل الذي يَدَّعى النبوة هلك وأصابتهم سنون فهلكت أموالهم، فبعث رجلًا من عظمائهم، وجهَّز معه أربعين ألفًا، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم ولم يكن للناس قوة، وكان عثمان قد جهَّز عيرًا إلى الشام، فقال: يا رسول الله؛ هذه مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها، ومائتا أُوقية. قال صاحب المواهب: قال عمران بن حصين: فسمعته يقول:"لا يضر عثمان ما عمل بعدها"- والعُهْدة على القسطلانى وعمران - فإن صح ذلك فمعنى ذلك: الدعاء له بالخير، لا القطع بأنه من أهل الجنة. وعن عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان بن عفان بألف دينار في كمه حين جهَّز جيش العُسرة، فنثرها في حجره - صلى الله عليه وسلم -، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره ويقول:"ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم"، فإن صح هذا فذلك أيضًا دعاء، وإنما قلت لك لأخبار سوء وردت فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وعند تفسيره لقوله تعالى في الآية [103] وما بعدها من سورة الكهف: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالًا} ... الآيات إلى قوله: {ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ واتخذوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا} ... يقول: ... وزعم علىّ أنهم أهل حروراء، وهم المسلمون الذين خرجوا عنه، لعدم رضاهم بالتحكيم فيما كان لله فيه حكم. وسأله ابن الكواء فقال: منهم حروراء. وسُئل: أهم مشركون؟ فقال: لا، فقال: أمنافقون؟ فقال: لا، بل إخواننا بغوا علينا ... وذلك خطأ تشهد به عبارته، لأنه ليس الإنسان إلا مؤمنًا أو مشركًا أو منافقًا، فإذا انتفى الشرك والنفاق عن أهل حروراء فهم مؤمنون. والمؤمن لا يُوصف بالبغى وهو مؤمن، ومَن بغى دخل في حدود النفاق. وأيضًا الباغى مَن يرى التحكيم فيما كان لله فيه حكم، والسافك دماء مَن لم يتبعه على هذه الزلَّة. وأيضًا أهل حروراء لم يكفروا بآيات الله، ولا بلقائه، بل مؤمنون بآيات الله وبالبعث. والأخسرون أعمالًا قد وصفهم الله سبحانه وتعالى بكفر الآيات واللقاء، ولست أقول ذلك معجبًا بنفسي، ولا متعجبًا ممن عصى، بل حق ظهر لي فصرَّحتُ به"."
وعند تفسيره لقوله تعالى في الآية [55] من سورة النور: {وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض} ... الآية، يقول:"قال المخالفون عن الضحاك: إن الذين آمنوا هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ. وإن استخلافهم: إمامتهم العظمى، وسيأتى ما يدل على بطلان دخول عثمان وعلىّ في ذلك ... ثم قال: وفى أيام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ. وبعدهم، كانت الفتوح العظيمة، وتمكين الدين لأهله، لكن لا دليل في ذلك على إصابة عثمان وعلىّ. فإنهما وإن كانت خلافتهما برضا الصحابة، لكن ما ماتا إلا وقد بدَّلا وغيَّرا فسحقًا ... كما في أحاديث عنه - صلى الله عليه وسلم - أنهما مفتونان".
وعند تفسيره لقوله تعالى في آخر الآية السابقة: {وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .. يقول:"أقول - والله أعلم بغيبه - إن أول مَن كفر بتلك النعمة وجحد حقها: عثمان بن عفان؛ جعله المسلمون على أنفسهم، وأموالهم، فخانهم في كل ذلك. زاد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووسَّعه، وابتاع من قوم وأبي آخرون فغصبهم، فصاحوا به فسيَّرهم للحبس، وقال: قد فعل بكم عمر هذا فلم تصيحوا به، فكلَّمه فيهم عبد الله ابن خالد بن أسيد فأطلقهم من السجن، وقد جمع في ذلك: عصب المال، وقذف عمر رضى الله عنه. واستعمل أخاه لأُمه وهو الوليد بن عُقبة. ونزل: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً} [الأنفال: 25] بحضرة أبي بكر، وعمر - رضى الله عنهما - وعثمان، وعلىّ، فقال لعثمان:"بك تُفتح وبك تُشَب"، وقال لعلىّ:"أنت إمامها وزمامها وقائدها، تمشى فيها مشى البعير في قيده"وقال:"لَضرس بعض الجلوس في نار جهنم أعظم من جبل أُحُد". وقال:"يثور دخانها تحت قدمى رجل يزعم أنه منى وليس منى، ألا إن أوليائى المتقون"... إلى آخر ما ذكره من النقائص في حق علىّ وعثمان - رضى الله عنهما".
وعند تفسيره لقوله في الآية [23] من سورة الشورى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ المودة فِي القربي} ... الآية، يقول:"فموَدَّة قرابته صلى الله عليه وسلم مَن لَم يُبدِّل منهم ولم يُغيِّر، مثل فاطمة، وحمزة، والعباس، وابنه - رضى الله عنهم - واجبة".. ثم ذكر روايات كثيرة في الحث على حب آل البيت وموَدَّتهم .. وبعدما فرغ منها قال:"لكن المراد بآله: آله الذين لم يُبَدِّلوا، فخرج علىّ ونحوه ممن بَدَّل، فإنه قتل مَن قال صلى الله عليه وسلم:"لا يدخل قاتلة الجنة". ولم يصح عندنا معشر الإباضية رواية: أنه لما نزلت قيل: مَنْ قرابتك الذين تجب علينا موَدَّتهم؟ فقال:"علىّ، وفاطمة، وابناهما"."
اعتداده بنفسه وحملته على جمهور المسلمين
هذا ... وإن المؤلف ليفخر كثيرًا في مواضع من تفسيره بنفسه وبأهل نِحْلته، ويرى أنه وحزبه أهل الإيمان الصادق، والدين القويم، والتفكير السليم، وأما مَن عداهم: فضالون مضلون، مبتدعون مخطئون.
فمثلًا نجده عند تفسيره لقوله تعالى في الآية [170] من سورة البقرة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} ... الآية، يقول ما نصه:"واعلم أن الحق هو القرآن والسُّنَّة، وما لم يخالفهما من الآثار، فمَن قام بذلك. فهو الجماعة والسواد الأعظم، ولو كان واحدًا، لأنه نائب النبى صلى الله عليه وسلم والصحابة، والتابعين الذين اهتدوا، وكل مهتد. ومَن خالف ذلك، فهو مبتدع ضال، ولو كان جمهورًا. هذا ما يظهر لي بالاجتهاد، وكنت أقرره للتلاميذ عام تسع وسبعين ومائتين وألف .. فأصحابنا الإباضية الوهبية هم الجماعة والسواد الأعظم وأهل السُّنَّة ولو كانوا أقل الناس. لأنهم المصيبون في أمر التوحيد، وعلم الكلام، والولاية، والبراءة، والأصول دون غيرهم".
وعند تفسيره لقوله تعالى في الآية [112] من سورة هود: {فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} ... الآية، يقول ما نصه:"واعلم يا أخى - رحمك الله - أنى ستقريت هذه المذاهب المعتبرة كمذهبنا معشر الإباضية، ومذهب المالكية، ومذهب الشافعية، ومذهب الحنفية، ومذهب الحنبلية، بالمنقول والمعقول، فلم أر مستقيمًا منها في علم التوحيد والصفات سوى مذهبنا، فإنه مستقيم خال عن التشبيه والتعطيل. حُججه لا تقاومها حُجَّة. ولا تثبت لها، والحمد لله وحده".
هذا هو مُفسِّرنا الإباضى، وهذا هو تفسيره الذي ملأه بالدفاع عن العقيدة الزائفة، والتعصب للمذهب الفاسد، وهو بعد - كما ترى - لا يسلم من مجاراة المعتزلة في بعض عقائدهم، كما لم يسلم من الأحاديث الموضوعة التي جرت على ألسن وُضَّاع الخوارج، لينصروا بها مذهبهم، ويُرَوِّجوا له بين الناس.