وأبو يوسف: توبة الزنديق مردودة؛ فإن التقيّة نفس دينهم، والكافر قطّ لا يكون تاركاً دينه إلا بما هو ضد دينه، فكيف يصير تاركاً بما هو نفس دينه؟ [1] وإليه ذهب الأستاذ أبو إسحاق، والصحيح من مذهبه أنه إن حمل على التوبة بالسيف، فلا أثر لها، وإن رؤي وقد خلا بنفسه، وهو يخضع لله تعالى، فليقطع بقبوله، (فإن) [2] التهدي بعد الضلال ممكن [3] . ومذهب الشافعي ـ رحمه الله ـ القبول وإن كان مجبراً عليه [4] . وذهب أبو إسحاق المروزي إلى أنه إنما تقبل توبة المرتدّين مرة واحدة، فلو عاد إلى الإسلام ثم ارتدّ مرة أخرى، لا تقبل توبته، ويقتل [5] . وهذا من هفواته الفاحشة.
فإذا تبين أن التوبة لو بادرها مقبولة، فهل تجوز المبادرة إلى قتله دون الاستتابة أم تجب الاستتابة؟ فيه تردد، (والظاهر) [6] وجوب الاستتابة وعرض الإسلام [7] ، فإن أبى فهل يقتل في الحال أم يمهل ثلاثة أيام؟ فيه قولان: أحدهما: وهو اختيار المزني، أنه لا يمهل؛ لأن الجناية متحققة، وهو بالسيف محمول على الإسلام، والإمهال يناقض هذا المعنى [8] . والثاني: أنه يمهل ثلاثاً، ويحبس، ولا يمنع الطعام والشراب [9] ؛ لما روي أن عمر -رضي الله عنه- قال لرجل قدم عليه من الشام: هل من مغرّبة خبر؟ فقال: لا؛ إلا أن نصرانيًّا أسلم، ثم ارتدّ، فقتله أبو موسى الأشعري [10] ، فرفع عمر -رضي الله عنه- نحو السماء يده،
(1) انظر: فتح القدير:6/ 70، 71، البحر الرائق:5/ 136، التمهيد: 10/ 155، 156، الاستذكار: 2/ 357.
(2) في الأصل: وإن.
(3) انظر: التهذيب: 7/ 289، العزيز: 11/ 115، روضة الطالبين: 7/ 296.
(4) انظر: المهذب:5/ 210، الوسيط:4/ 120، الوجيز: 2/ 165، العزيز: 11/ 114، روضة الطالبين: 7/ 296.
(5) انظر: المهذب: 5/ 211، الوسيط: 4/ 120، التهذيب:7/ 289، العزيز:11/ 115، روضة الطالبين:7/ 296.
(6) في الأصل: الظاهر.
(7) انظر: الوسيط: 4/ 121، التهذيب: 7/ 288، العزيز: 11/ 115، روضة الطالبين: 7/ 296.
(8) انظر: الأم مع المختصر: 8/ 366.
(9) أصحهما: لايمهل. العزيز.11/ 116.
(10) عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب، هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقدم مع جعفر زمن فتح خيبر واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم مع معاذاً على اليمن، ثم ولي لعمر الكوفة والبصرة، وكان عالماً عاملاً صالحاً تالياً لكتاب الله إليه المنتهى في حسن الصوت بالقرآن، مات سنة اثنتين وأربعين. انظر: الطبقات الكبرى: 4/ 105، الإصابة: 4/ 211، سير أعلام النبلاء: 2/ 380،.