فلو أقام بينة على الغيبة فأقام المدعي بينة على حضوره، قال الأصحاب: تقدم بينة الغيبة؛ لاشتمالها على مزيد [1] . وهذا ضعيف؛ لأن الحضور كونٌ في مكان من ضرورته نفي غيره، وكذا الغيبة، فلا فرق؛ إلا أن يقع التنازع بين شخصين في اتفاق أصل الغيبة وعدمها، فتقدم بينة وقوع الغيبة؛ لأن الثانية مستندة إلى النفي المحض. نعم [2] ، إذا قضينا بتساقط البينتين، فالقول قول المدعى عليه. ويحتمل أن يقال: هذا الذي اقتضى تحليفه صلح للترجيح، ومثل هذا الخلاف جارٍ في بينة الداخل والخارج [3] .
فإن قيل: وهل يشترط التصريح في الدعوى بحضور المدعى عليه؟ قلنا: إذا ادعى القتل فقد ادعى حضوره، والمدعى عليه إن سكت ولم يتعرض للغيبة فهو لوث ظاهر في حضوره، فليصرح بالغيبة حتى يلتفت إليه [4] .
أما إذا كان المدعى عليه وقت القتل محبوساً أو مريضاً مدنفاً، وظهر ذلك واحتمل خلافه، ففيه طريقان: منهم من قطع ببطلان اللوث إذا تنبهنا لذلك قبل التحليف، وإن جرى بعد التحليف فوجهان، والوجه [5] التسوية بين الحالتين؛ إذ لا فرق (فيه) [6] [7] .
الصورة الرابعة: إذا عاش الجريح زماناً، وقال: قتلني فلان: لم يكن ذلك لوثاً؛ لأنه صاحب حق، فلا معتبر بقوله؛ بل قوله كقول المدعي الوارث [8] ؛ خلافاً لمالك رحمه الله، فإنه جعل ذلك لوثاً [9] .
الخامسة: لو اعترف بالجرح، وادعى الموت بسبب آخر: فإن قرب الزمان، فالقول
(1) [141/ 2/ م] .
(2) في (م) : ثم.
(3) انظر: الحاوي الكبير:13/ 16، الوسيط:4/ 105، الوجيز:2/ 159، العزيز:11/ 20، روضة الطالبين:7/ 239.
(4) نهاية المطلب: 13: ل/191.
(5) في (م) : فالوجه.
(6) في الأصل: به.
(7) الأصح: إلحاقه بالغيبة. العزيز: 11/ 20، روضة الطالبين: 7/ 239 - 240. وانظر: الوسيط: 4/ 105، الوجيز: 2/ 159، التهذيب:7/ 227.
(8) انظر: الوسيط: 4/ 104، الوجيز: 2/ 159، التهذيب: 7/ 226، روضة الطالبين: 7/ 238.
(9) انظر: المدونة الكبرى: 16/ 413، الاستذكار: 8/ 208.