المبحث الثاني
قيمة الكتاب العلمية
أوتي الإمام الغزالي براعة في التصنيف، وذلك لما حباه الله من فرط الذكاء وسيلان الذهن، وسعة العلم [1] .
واتضح ذلك في تصانيفه ومؤلفاته، حيث كان قوي العبارة، جزل اللفظ، عميق الفهم، دقيقًا في التفريع، والتصوير، بارعًا في الغوص في دقائق الفقه، ومغمضاته، ومنبهًا عليها، وحالاًّ لمشكلاتها، ولو تتبعنا الأمثلة على هذا في كتبه لطال بنا المقام، ويكفي القارئ أن يطلع على شيء من كتابه"البسيط"، ليرى بأم عين عقله وقلبه ما تميز به هذا الحبر الكبير من المواهب فيما ذكرنا.
وكتابه البسيط تضمن جملًا كثيرةً من كتاب شيخه إمام الحرمين المعروف بـ"نهاية المطلب في دراية المذهب"و زاد عليه من الإبانة للفوراني، وتعليق القاضي حسين [2] .
قال الإمام الغزالي مبينًا ذلك:"وجعلته حاويًا لجميع الطرق، ومذاهب الفرق، والأقوال القديمة والجديدة، والأوجه القريبة والبعيدة، مشتملًا على جملة ما اشتمل عليه مجموع إمامِي إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله قدّس الله روحه، مدارًا من تصرفات معنوية سمح بها الخاطر، وترتيب لطيف عجيب يحار فيه الناظر" [3] .
وقد ضمنه بعض المذاهب الأخرى، مثل مذهب أبي حنيفة، والإمام مالك، وأقوال بعض فقهاء التابعين، ويتضح ذلك من كلامه السابق. ومما يؤكد قوة الكتاب العلمية تعويل علماء المذهب عليه، وعلى كتبه [4] .
(1) انظر: سير أعلام النبلاء: 19/ 297.
(2) انظر: طبقات الشافعية: 2/ 297.
(3) البسيط: 76.
(4) انظر المصدر السابق.