وإن عفا، لا يسقط حق الباقين [1] . وخلاف العلماء في نفس العقوبة لا يورث شبهة، فإن ذلك يؤدي إلى أن لا يتصور الخلاف، ويختص وجوب العقوبات على القطع، ولكن الخلاف في إباحة السبب إذا لم يصادف نصًّا أو قياساً [2] جليًّا [3] ، ينتهض شبهة، كخلاف ابن عباس [4] في نكاح المتعة [5] ؛ إلا أن ذلك مقطوع له؛ لأن الحد يجب لله تعالى، وهذا للآدمي وهو مبني على الشح، فهو عن السقوط أبعد، فأوجب ذلك تردداً [6] .
التفريع: إن قلنا يجب القصاص، فلو بادر ولي القتيل القاتل، فقتل المبادر، بقيت دية القتيل المظلوم متعلقة بتركة القتيل القاتل، نصفها لورثة المبادر، ونصفها للأخ الذي لم يأذن في الاستيفاء [7] .
وإن عفى ولي القتيل القاتل على مال، فذلك المال تركة القتيل القاتل، فيؤدي منه حق
(1) الإمام مالك وأصحابه قالوا: إن قتل واحدٌ جماعةً فمن قتله من أولياء المقتولين لم يكن عليه ولا على ماله غير ذلك، ولا شيء لسائرهم من دية ولا غيرها. انظر: الكافي لابن عبد البر: 590.
(2) في (م) : وقياساً.
(3) القياس الجلي: هو: ما تسبق إليه الأفهام، وعرفه الأصوليون بمفهوم الموافقة وهو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المذكور للمسكوت عنه؛ لاشتراكهما في علة الحكم المفهومة بطريق اللغة. انظر: التعريفات للجرجاني: 181، إرشاد الفحول: 1/ 272، أصول الفقه الإسلامي: 1/ 362.
(4) عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، حبر الأمة وترجمان القرآن، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يفقهه الله في الدين ويعلمه التأويل، توفي سنة: (68 هـ) . انظر: تذكرة الحفاظ: 1/ 40، الإصابة: 4/ 146، سير أعلام النبلاء: 3/ 347.
(5) نكاح المتعة: أن يتزوج المرأة إلى أجل، سواء كانت المدة معلومةً كشهر، أو مجهولةً، مثل أن يقول: زوجتك ابنتي إلى قدوم زيد. وهو محرمٌ باتفاق عامة الفقهاء، إلا من شذ ممن لا يعتد بقوله عند أهل السنة. انظر: البحر الرائق: 3/ 115، التمهيد: 14/ 325، التنبيه: 161، المغني: 7/ 136.قال ابن عبد البر: وقد روي عن بن عباس أنه انصرف عن المتعة وأنه قال: نسخ المتعة {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن الطلاق} ، [الطلاق/1] ، وهي آثار كلها ضعيفة لم ينقلها أحد يحتج به. الاستذكار:5/ 507.
(6) انظر: نهاية المطلب:13:ل/ 54 - 55.
(7) انظر: الحاوي الكبير:12/ 134، 135، المهذب:5/ 54، الوسيط: 4/ 53، الوجيز:2/ 138، التهذيب: 7/ 87، البيان:11/ 404، العزيز: 10/ 259، روضة الطالبين: 7/ 85.