الطرف الثاني: في حكم الردة:
وحكم الردة يظهر في نفس المرتدّ، وولده، وماله، وعياله [1] .
أما ما يظهر في نفسه فالإهدار في الحال، حتى لا يجب الضمان على المبادر إلى قتله وإن كان متعدّياً [2] ، ومن حكمه وجوب قتله لو أصرّ [3] .
ولو بادر وتاب، اندفع السيف عنه، سواء كان متديّناً في ردته بدين أو زنديقاً، فتوبة الزنديق عند الشافعي - رحمه الله - مقبولة، وإن كان يتدين بالاستسرار؛ لأن تنبهه للحق ممكن، وباب الهداية غير محسوم على الزنديق، كما أن باب الزندقة غير محسوم على المسلم إمكاناً، والبواطن لا تتبع [4] . قتل أسامة [5] رضي الله عنه كافراً سلّ عليه السيف، وتلفظ بالإسلام، فاشتدّ نكير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما قال ذلك فرقاً مني، فقال عليه السلام: (( هل شققت عن قلبه ) ) [6] فهذا ينبه على أن المتبع الظاهر. وقال مالك
(1) انظر: الوسيط: 4/ 120، الوجيز: 2/ 165، العزيز: 11/ 112، روضة الطالبين: 7/ 294.
(2) انظر: الوسيط: 4/ 120، الوجيز: 2/ 165، التهذيب: 7/ 288، العزيز:11/ 112، روضة الطالبين:7/ 294.
(3) انظر المصادر السابقة.
(4) انظر: الأم:2/ 45، الوسيط: 4/ 120، الوجيز: 2/ 165، العزيز: 11/ 114، روضة الطالبين: 7/ 291.
(5) أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل، أبو زيد المدني، مولى النبي صلى الله عليه وسلم وابن مولاه وحبه وابن حبه، ولد في الإسلام، أمَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش فيه عمر وكبار الصحابة وكان عمره ثماني عشرة سنة، مات في المدينة في آخر خلافة معاوية. انظر: الإصابة: 1/ 49 الطبقات الكبرى: 4/ 61، سير أعلام النبلاء: 2/ 496،.
(6) مسلم: 1/ 96، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، رقم: (96) ، ولفظه: (( أفلا شققت عن قلبه ) ). وفي صحيح البخاري: أخبرنا أبو ظبيان قال: سمعت أسامة بن زيد رضي الله عنهما يقول: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري عنه، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبيَ صلى الله عليه وسلم فقال: (( يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ) )قلت: كان متعوذاً، فما زال يكررها، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم )) . صحيح البخاري: 4/ 1555، كتاب المغازي، باب بعث النبي صلى الله عليه أسامة بن زبد إلى الحرقات من جهينة، رقم: (4021) ، واللفظ الذي أورده المصنف في: مسند الإمام أحمد: 4/ 438.