بَغَتْ إِحْدَاهُمَا يعني: طلبت مزيداً بعد وضوح الحق، {فَقَاتِلوا} [1] . وليس المعنيّ بالتدريج أن لا يسير إليهم الإمام؛ بل يسير إليهم، فإنهم مستولون على قطر يدفعون عنه، فإن انكشفوا عن ذلك القطر، وهم مجتمعون يتبعهم؛ لأن الطاعة حق عليهم، ومنعهم كان نازل منزلة [2] منع الحق، فله دفعهم [3] .
وإذا [4] اصطف في مقابلتهم (لا) [5] يمنع الإمام من مفاتحتهم بالسيف، فإنه لو وقف ربما تهجموا [6] عليه، وإنما المعنيّ بما ذكرناه أن يقدم إليهم النذير، ثم لا يقتل أسيرهم [7] ، ولا يذفف على جريحهم، ولا يتبع مدبرهم [8] .
وخالف أبو حنيفة فيه [9] ، وهو باطل؛ فإنهم لم يرتكبوا موجب حدٍّ، وإنما المقصود إبطال منعتهم، ودفعهم عن قصدهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود: (( يا ابن أم عبد، أتدري ما حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ فقال: الله ورسوله أعلم، فقال: أن لا يتبع مدبرهم، ولا يذفف على(جريحهم) [10] ) [11] [ودخل
(1) انظر زاد المسير 7/ 462، الجامع لأحكام القرآن 16/ 316.
(2) في (م) : ومنهم نازل منزلة.
(3) انظر: المهذب: 5/ 194، الوسيط: 4/ 177، الوجيز: 2/ 164، التهذيب: 7/ 281، العزيز: 11/ 89.
(4) في (م) : فإذا.
(5) غير موجودة في النسختين ولعل الصحيح إثباتها ليستقيم الكلام.
(6) في (م) : لهجموا.
(7) في (م) : زيادة لفظة: آخراً.
(8) انظر: المهذب: 5/ 194، الحاوي الكبير: 13/ 115، الوسيط: 4/ 117، الوجيز: 2/ 164، التهذيب: 7/ 281، العزيز: 11/ 89 - 90.
(9) انظر: الهداية شرح البداية: 2/ 171، بدائع الصنائع: 7/ 140، 141، تحفة الملوك: 196.
(10) في الأصل: جريح.
(11) أخرجه الحاكم في المستدرك: 2/ 168 رقم: (2662) . وفيه: (ولا يقتل أسيرهم) . والبيهقي في السنن الكبرى عن ابن عمر: 8/ 182، كتاب قتال أهل البغي، رقم: (16532) . قال ابن حجر: سكت عنه الحاكم، وقال ابن عدي: هذا محفوظ. وقال: البيهقي ضعيف. قلت: في إسناده كوثر بن حكيم، وقد قال البخاري إنه متروك، التلخيص الحبير: 4/ 43 - 44.