فتأكلت الجراحة، وأفضت إلى سقوط اليد، فلا قصاص [1] ، ومهما ظهر التأكل علم حصول السراية به، ولكن لما كانت الأجسام لا تقصد غالباً بالسراية، لم يجعل ذلك عمداً محضاً، وقد نص على أنه لو ضرب رأس إنسان، فذهب ضوء عينه وجب القصاص [2] . وإنما أوجب من حيث أن اللطائف تقصد بالسراية كالروح، فالمعتبر عنده القصد غالباً دون العلم بترتب السراية عليه [3] .
قلنا: هذا مشكل، وهو مستنَد الأصحاب في الضبط الأول، ولكن يشكل عليهم بقطع الأنملة، فإنه لا يقصد به القتل غالباً، ولا جواب عنه، وقد تصرف العراقيون والأصحاب في المسألتين، فمنهم من قرر النصين، ومنهم من جعل في المسألتين قولين: بالنقل والتخريج، ففي أحد القولين: يجب القصاص فيهما. وهذا القول يوافق الحد الذي ذكرناه، وهو متجه من حيث المعنى؛ إذ الطرف معصوم بالقصاص كالنفس، ولذلك جعل الشافعي رحمه الله الشركة في الطرف كالشركة في النفس [4] ، فإذا أكمل فعله في الطرف بفعل شريكه، فبأن يكمل بسراية [5] فعله أولى [6] . هذا وجه التحقيق والتنبيه على الإشكال، وقد رأيت القطع بإيجاب القصاص على من ضرب شخصاً ظنه صحيحاً، فإذا هو مريض [وكان ذلك القدر من الضرب] [7] يقتل المريض دون الصحيح, وهذا يدل على أنه ليس
(1) الذي في الأم: وإن قطع له أصبعا فائتكلت الكف حتى سقطت كلها، فسأل القصاص، قيل: إن القصاص أن يقطع من حيث قطع أو أقل منه، فأما أكثر فلا، فإن شئت أقدناك من الأصبع وأعطيناك أرش الكف يرفع منها عشر من الإبل، وهي حصة الأصبع، وإلا فلك دية الكف. الأم: 6/ 54.
(2) انظر: الأم مع المختصر: 8/ 348، نهاية المطلب:13:ل/12، المهذب: 5/ 34، الوسيط: 4/ 28، البيان: 12/ 515.
(3) انظر: نهاية المطلب: 13:ل/12.
(4) قال الشافعي رحمه الله: فينبغي عندي لمن قال: يقتل الاثنان أو أكثر بالرجل، أن يقول: فإذا قطع الاثنان يد رجل معا، قطعت أيديهما معا، وكذلك أكثر من الاثنين، وما جاز في الاثنين جاز في المائة وأكثر. الأم: 6/ 22.
(5) في (م) : سراية.
(6) انظر: نهاية المطلب:13:ل/12، الوسيط: 4/ 28،
(7) ما بين المعكوفين ساقط من (م) .