فإذا قال: عمداً، فيقول: منفرداً أو مع شريك [1] . وفي هذا غموض؛ فإن الاستفصال فيه تعليم واستنطاق بتسديد [2] الدعوى، واللائق بمبادئ العقوبات الدفع، فعن هذا اختلف الأصحاب، فمنهم من قال: ليس للقاضي الاستفصال، ولكنه يسكت، فإن لم يستتم لم يبال به، وإن استتمّ أصغى إليه. وهذا فاسد، فإنه على مخالفة النص. ومنهم من وافق النص، وقال: هذا ليس باستنطاق وتعليم، ولكنه استفصال، وإنما التلقين أن يقول: قل: كذا، وهو في التفصيل قد تفسد دعواه، وترك الاستفصال إبطال لحق المدعي، وقد لا يعرف وجه الدعوى، فلا سبيل. ومنهم من قال: إن كان غبياً فيستفصله؛ إذ لو سكت وأعرض عنه، كان ذلك تنفيراً وإبطالاً للحق من حيث [3] أنه لا يدري، وإن كان عارفاً فلا يستفصله. ومنهم من قال: لو قال: قاتل أبي في هؤلاء، فيقول: من قتل؟ (ولا) [4] يستفصل فيما عدا هذا، والكل خبط، والمذهب هو النص [5] .
فرعان: أحدهما: أنه لو ادعى العمد فاستفصل، فذكر ما لا يكون عمداً، فهل يبطل به أصل دعوى القتل؟ فعلى وجهين: منهم من قال: (تسقط) [6] ؛ لتناقض كلامه، ومنهم من قال: التناقض في الصفة لا في الأصل، فيقتصر السكوت على المتناقض [7] .
(1) قال: الشافعي رحمه الله: وينبغي للحاكم أن يسأل من وجبت له القسامة من صاحبك فإذا قال فلان قال فلان وحده فإن قال نعم قال عمدا أو خطأ فإن قال عمدا سأله ما العمد فإن وصف ما يجب بمثله قصاص لو قامت بينة أحلفه على ذلك وإن وصف من العمد ما لا يجب فيه قصاص وإنما يكون فيه العقل أحلفه على ذلك بعد إثباته. الأم: 6/ 93.
(2) كذا في النسختين: وفي هامش (م) كتب عبارة: تستدّ به.
(3) في (م) : هو.
(4) في الأصل: فلا.
(5) انظر: نهاية المطلب: 17:ل/5 - 6، الوسيط: 4/ 103، العزيز:11/ 5 - 6، روضة الطالبين: 7/ 231.
(6) في الأصل: سقط.
(7) قال النووي: في المسألة قولان: أحدهما: تبطل الدعوى ولا يقسم؛ لأن في دعوى العمد اعترافاً ببراءة العاقلة، فلا يمكن من مطالبتهم بعده؛ ولأن فيه اعترافاً بأنه ليس بمخطئ فلا يقبل رجوعه عنه، وأظهرهما: لا تبطل؛ لأنه قد يظن الخطأ عمداً، فعلى هذا يعتمد تفسيره، ويمضي حكمه، ومنهم من قطع بهذا، وتأول نقل المزني على أنه لا يقسم على العمد. روضة الطالبين: 7/ 234. وانظر: نهاية المطلب:7:ل/6،الحاوي الكبير:13/ 35، التهذيب: 7/ 228.