وإن أوجبنا الكفارة على من يقتل نفسه، لزمه كفارة أخرى. ثم لا نظر في التشطير الذي ذكرناه إلى تفاوت القوتين، فلو ركب أحدهما فيلاً، والآخر كبشاً، حكمنا بالتشطير [1] . هذا ما ذكره الشافعي إبعاداً في التصوير [2] ، وإن كان الكبش لا يركب، وينزل تفاوت القوة منزلة تفاوت عدد الجراحات؛ فإن ذلك يعسر [3] ضبطه؛ اللهم إلا أن يعلم أن أحدهما لا صدمة له، فيكون كغرز إبرة في غير مقتل مع جراحات كثيرة [4] .
وقال أبو حنيفة: إن استلقيا في السقوط، وجبت دية كل واحد منهما بكمالها على عاقلة الآخر؛ فإن ذلك يدل على سقوط بقوة الآخر، وإن سقطا منكبّين، فهما مهدران، وإن انكب أحدهما واستلقى الآخر، فالمنكبّ مهدر [5] ، فإنه ساقط بقوته، وسقوط الآخر أيضاً بقوته، فيغرم دية الآخر بكماله [6] . وذهب صاحب التلخيص إلى مذهب أبي حنيفة [7] ، ومن الأصحاب من وافقه، وذهب الأكثرون إلى تغليطه؛ فإنه بخلاف جميع نصوص الشافعي في الباب، ولا معنى فيه أيضاً، فإن المتحامل قد تتفق له عثرة وحركة، فينعكس، ويستلقي، والضعيف قد ينكبّ، وتتبع ذلك غير ممكن، ونحن نعلم أن حصول السقوط بالتصاير [8] والتصادم من الجانبين، فيجب التوزيع بالسوية [9] .
ثم فرّع الأصحاب على مذهب صاحب التلخيص ما إذا تجاذب رجلان حبلاً، (فانقطع) [10] وانكبّا، أنه تجب دية كل واحد على عاقلة صاحبه، ولو استلقيا، فيهدران.
(1) انظر: الحاوي الكبير: 12/ 324، الوسيط: 4/ 85، الوجيز: 2/ 151، التهذيب: 7/ 178، روضة الطالبين:7/ 184، 185.
(2) الأم: 6/ 85.
(3) في (م) : يعزُّ.
(4) انظر: نهاية المطلب:13:ل/136.
(5) في (م) : يهد.
(6) انظر: بدائع الصنائع: 7/ 273.
(7) انظر: التلخيص:590.
(8) في (م) : بالتصادم.
(9) انظر: نهاية المطلب: 13:ل/136، العزيز:10/ 442.
(10) في الأصل: فتقطع.