مبحث:
في الوضوء مما مست النار
اختلف الفقهاء في الوضوء مما مست النار،
فقيل: يجب الوضوء مما مسته النار، اختاره بعض الصحابة رضي الله عنهم، منهم ابن عمر، وعائشة، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، وأبو طلحة، وزيد بن ثابت، وغيرهم [1] .
واختاره الزهري رحمه الله تعالى [2] .
وقيل: لا يجب فيه وضوء، وعليه عمل الخلفاء الراشدين [3] ، وهو مذهب جماهير أهل العلم على خلاف بينهم:
هل كان الوضوء منه واجبًا فنسخ؟ اختاره بعض المالكية [4] ، وهو
(1) انظر الأوسط لابن المنذر (2/ 213) ، التمهيد (3/ 331) .
(2) التمهيد (3/ 331) .
(3) التمهيد (3/ 332) ، المفهم (1/ 603) .
(4) قال الباجي في المنتقى (1/ 65) :"روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأسانيد لا بأس بها، أنه قال: توضئوا مما أنضجت النار"واختلف أصحابنا في تأويل ذلك، فمنهم من قال: إنه لم يكن قط الوضوء مما أنضجت النار واجبًا، وإنما كان معناه المضمضة وغسل الفم على وجه الاستحباب، ومنهم من قال: قد واجبًا، ثم نسخ، وتعلقوا في ذلك بما رواه شعيب ابن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أنه قال: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار"."
وقال القرطبي في المفهم (1/ 603) :"قوله:"توضئوا مما مست النار"هذا الوضوء هنا هو الوضوء الشرعي العرفي عند جمهور العلماء، وكان الحكم كذلك ثم نسخ، كما قال جابر ابن عبد الله:"كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار"وعلى هذا تدل الأحاديث الآتية بعد، وعليه استقر عمل الخلفاء ومعظم الصحابة وجمهور العلماء من بعدهم، وذهب أهل ="