فهذا اللفظ خلاف اللفظ الأول:"تخفق رؤوسهم" [1] ؛ فإِنَّ هذا إِنَّما يكون وهُم جلوس؛ كما قال ابن المبارك.
فإِمّا أن يُقال: إِنَّ الحديث مضطرب، فيسقط الاستدلال به.
وإِمَّا أن يُجمع بين اللفظين، فيُقال: كان بعضهم ينام جالسًا، وبعضهم مضطجعًا، فمنهم من يتوضّأ، ومنهم من لا يتوضّأ، وهذا هو الأقرب؛ فالحديث دليل لمن قال: إِنَّ النّوم لا ينقض الوضوء مُطلقًا، وقد صحّ عن أبي موسى الأشعري وابن عمر وابن المسيّب؛ كما في"الفتح".
وهو باللفظ الآخر؛ لا يمكن حمْله على النّوم مُمكِّنًا مقعدته من الأرض، وحينئذ؛ فهو مُعارض لحديث صفوان بن عسال المذكور في الكتاب بلفظ:"... لكن من غائط وبول ونوم" [2] ؛ فإِنَّه يدلُّ على أنَّ النّوم ناقض مُطلقًا؛ كالغائط والبول، ولا شك أنَّه أرجح من حديث أنس؛ لأنَّه مرفوع إِلى النّبيّ
(1) أي: ينامون حتى تسقط أذقانهم على صدورهم وهم قعود، وقيل هو من الخُفوق: الاضطراب."النهاية". والحديث في"صحيح مسلم" (376) .
(2) ولفظه كما يأتي: عن زرّ بن حُبيش؛ قال: أتيتُ صفوان بن عسال المرادي أسأله عن المسح على الخُفَّين؟ فقال: ما جاء بك يا زرّ؟ فقلتُ: ابتغاء العلم. فقال:"إِنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضىً بما يطلب"، قلت: إِنَّه حكَّ في صدري المسح على الخُفَّين بعد الغائط والبول، وكنتَ امرأ من أصحاب النْبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فجئت أسألك: هل سمعته يذكر في ذلك شيئًا؟ قال: نعم؛ كان يأمرنا إذا كنّا سَفْرًا -أو مسافرين- أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهنَّ؛ إلاَّ من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم ...". رواه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح"."صحيح سنن الترمذي" (2801) ، وغيره، وتقدّم مختصرًا."