النَّاس، والانقطاع لعبادة الله تَصْفِيَةً لِقَلْبِهِ، وتَزْكِيَةً لِرُوحِهِ، وإبعادًا له عن الباطل وأهله. فاختار صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنفسه هذه العُزْلَةِ عن رغبةٍ وعاطفةٍ، حيث وجد فيها لَذَّةَ الرُّوحِ، وسَلْوَةَ النَّفْسِ، ومُتْعَةَ القُلْبِ، بِالأُنْسِ بِاللهِ تَعَالَى، وذلك من مقدمات نبوته.
"وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ" (2) أي فكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يذهب إلى غارٍ مُنْزَوٍ فِي جبل حِرَاءٍ، على يسار الذاهب إلى منى، وعلى بعد ثلاثة أميال من مَكَّة، فينفرد في ذلك الغار، لكْي يَجمع بين الخَلْوَةِ والتَّعَبُّدِ والنَّظَرِ إلى بيت الله الحرام، ولا تَجْتَمِعُ هذه المزايا العظيمة إلاّ فِي غَارِ حِرَاءٍ الذي يُطِلُّ على الكَعْبَةِ، فيمكنه من النَّظَر إليها، والنَّظَر إلى البيت عبادَة.
"فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ"أي فيكثر هناك من عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى لَيَالِي وأيَّامًا عَدِيدَةً، ولا يُمْكِنُ القَطْعُ فِي كَيْفِيَّةِ عِبَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنّهُ لَمْ يرو شَيْءٌ عن ذلك فِي الأخبار الصَّحِيْحَةِ، ولِكَنّ الذي يُرَجِّحُهُ المُحَقِّقُونَ من أهْلِ العِلْمِ أنَّه كان يتعبد بِالتَّفْكِيرِ والتَّأمُّلِ فِي هذا الكَوْنِ ومُبْدِعِهِ، والفكر عبادة؛"قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ" (3) أي فيمكث هناك فِي غَارِ حِرَاءٍ فترة من الزَّمَنِ حَتَّى يَحِنّ إلى أهْلِهِ، ويَقْوَى اشْتِيَاقُهُ إليهم، ويَفْرغ زاده"ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ"أي فإِذا اشَتَدَّ به الحَنِينُ إلى أهله، وانتهى ما معه من الزَّادِ عاد إِلى خَدِيجَةَ مَرَّةً أُخْرَى."فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا"أي فيأخذ من خَدِيجَةَ زَادًَا جَدِيدًَا، يَصْطَحِبُهُ معه إلى غَارِ حَرَاءٍ."حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ"أي واسْتَمَرَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الخَلْوَةِ والتَّعَبُّدِ، حَتَّى أشْرَقَتْ عليه أنْوَارُ النُّبُوَةِ، ونزل عليه الْوَحْيُّ الصَّرِيحُ، يوم الاثْنَيْنَ السَّابِعَ عَشَرَ من رَمَضَانَ، فأتاهُ ملك الْوَحْيّ جِبْرِيلُ عليه السَّلامُ - حَقِيقَةً لا خَيالًا- مُرْسَلًا من رَبِّ العِزَّةِ، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أَتمَّ الأربعين من عمره وتلك سُنَّةِ اللهِ فِي الأَنْبِيَاءِ، لا يأْتيهم الْوَحْيّ حَتَّى يَتِمَّ نُضْجُهُم الجِسْمِيِّ والعَقْلِيِّ والنَّفْسِيِّ - غالبًا - ببلوغ أَرْبَعِينَ سَنَةً.
قال الشاعر: ... وَأتتْ عَلَيْهِ أرْبَعُوْنَ فَأشْرَقَتْ ... شَمْسُ النُبُوَّةِ مِنْهُ فِي رَمَضَانِ
"فَقَالَ: اقْرَأْ"أي فلم يشعر إِلّا وجِبْرِيلُ شَاخِصٌ أَمَامَ عينيْهِ يقول له: اقْرَأْ. قال فِي"فيض الباري":"ليس من باب التكليف، وهذا الأمر بِالقِرَاءَةِ من باب التَّلْقِينِ والتَّلَقِّي، كما إذ يَحْضُر الصبيُّ قِبَل المعلِّم وكتابُهُ معه، فيقول له أستاذه: اقرأ، لا يريد بذلك تكليفه بالقراءة، ولكنه يكون تلقينًا له أن أقرأ كما أقرأ لك الآن"اهـ (4) .
"قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» "أي كيف أستطيع القِرَاءَةَ وأَنا أُمِّيٌّ لا أقَدْرُ عليها ولا عِلْمَ لِي بِهَا."قَالَ:"فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ"أي فأمْسَكَ بِي ذلك المَلَكُ، وضَمَّنِي ضَمَّةً شَدِيدَةً، حتى بلغ مِنِّي أقصى ما تَتَحَمَلُهُ الطَّاقَةُ البَشَرِيَّةُ. وإِنَّمَا فعل ذلك إينَاسًَا له، وتَقْوِيَةً لِنَفْسِهِ، وتَنْشِيطًَا لِقَلْبِهِ، على تَلَقِّي الْوَحْيِّ الإِلَهِيِّ."ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ"أي ثُمَّ أطلقني، وأمَرَنِي بِالقِرَاءَةِ ثَانِيًا، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، وهو تأكيدٌ للجَوَابِ الأوَّلِ، ومتضمن لمعناه"فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فقال: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ"أي ماذا تريد مِنِّي أن أقرأ."فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ