870 -"بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ"
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا""
1016 - عنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ، فَيَقُولُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} وَالْوَسَطُ: العَدْلُ"."
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1016 - الحديث: أَخْرَجَهُ أَيْضًَا التِّرْمِذِيّ.
معنى الحديث: أَنَّ اللهَ يَوْمَ القِيَامَةِ ينادي نُوْحًَا فَيُجِيبُهُ بِقَوْلِهِ:"لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ!"أي: إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ، وإسْعَادًَا بَعْدَ إِسْعَادٍ، فيكرر الإجابة مَرَّتَيْنِ للتَّأْكِيدِ، على أنَّهُ طَوْعُ أَمْرِهِ، قَالَ فِي"مرقاة المفاتيح": ("يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ القِيَامَةِ"أَيْ: يُؤْتَى بِهِ(فَيَقُولُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ) ؛ (فَيُقَالُ لِأُمَّتِهِ) أَيْ: أُمَّةُ الدَّعْوَةِ (هَلْ بَلَّغَكُمْ) ؟ أَيْ: نُوحٌ رِسَالَتَهُ (فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ) أَيْ: مُنْذِرٌ لَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، مُبَالَغَةً فِي الْإِنْكَارِ، تَوَهُّمًا أَنَّهُ يَنْفَعُهُمُ الْكَذِبُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَنِ الْخَلَاصِ مِنَ النَّارِ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} ، (فَيَقُولُ) أَيْ: لِنُوحٍ (مَنْ يَشْهَدُ لَكَ) ؟ وَإِنَّمَا طُلِبَ مِنْ نُوحٍ شُهَدَاءُ عَلَى تَبْلِيغِهِ الرِّسَالَةَ أُمَّتَهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ وَإِنَافَةً لِمَنْزِلَةِ أَكَابِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، (فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ) : وَالْمَعْنَى أَنَّ أُمَّتَهُ شُهَدَاءُ وَهُوَ مُزَكٍّ لَهُمْ، وَقُدِّمَ فِي الذِّكْرِ لِلتَّعْظِيمِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْهَدُ لِنُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ النُّصْرَةِ"اهـ (1) ."
فَيَسْألُ رَبُّ العِزَّةِ والجَلالِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أَنْ يُدْلُوا بِشَهَادَتِهِم، فَيَشْهَدُونَ على أَنَّ نُوْحًَا بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: ومَا عِلْمُكُم بِذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: أَخْبَرَنَا نَبِيِّنَا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا فَصَدَّقْنَا، وهَكَذَا تَشْهَدُ هذه الأُمَّةُ للأَنْبِيَاءِ بِالتَّبْلِيغِ، ويَشْهَدَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا بالعَدَالَةِ، فَيُزَكِّيهَا، فذلك قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) أي ومن جُمْلَةِ النِّعَمِ التي أنْعَمَ اللهُ تَعَالَى بِهَا عليكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أَنْ جَعَلَكُم عُدُولًا أُمَنَاءً لِتَشْهَدُوا على النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ بِتَبْلِيغِ الرُّسُلِ لَهُم مَا أُنْزِلَ عليهم.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: أَوَّلًا: تَفْسِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.