لِي" (2) أيْ واقْبِضْنِي إليْكَ على الإِيمَانِ والطَّاعَةِ، إذا كان ذلك خَيْرًَا لِي فِي دِينِي ودُنْيَايَ وعَاقِبَةِ أَمْرِي. أو كَانَ بَقَائِي فِي هذه الدُّنْيَا يُعَرِّضُنِي للفِتْنَةِ، وَسُوُءِ الحَالِ والمآلِ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: أنَّهُ لا يَجُوزُ تَمَنِّي المَوْتَ لأَيِّ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ، سَوَاءٌ كان مَرَضًَا بَدَنِّيًَا، أو نَفْسِيًَّا أو خَسَارَةً مَالِيَّةً، أو بسبب المعاناة من بعض الانفعالات المؤلمة كالخوف والقلق والهم واليأس أو غيره من الأحوال النفسية المزعجة القاسية، لِمَا فِي ذلك مِنَ التَّبَرُّمِ بِقَضَاءِ اللهِ، وعَدَمِ الصَّبْرِ على بَلائِهِ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:"لاَ يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ المَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ؛ أيْ يُحِسُّ بِالنَّدَمِ فَيَتُوبُ إلى اللهِ. أمَّا هذه الظُّرُوفِ السَّيِّئَةِ والعَوَارِضِ الدُّنْيَوِّيَةِ الكَرِيهَةِ، فَإنَّهَا سَرْعَانَ ما تَزُولُ، لأَنَّ هذا العَالَمِ حَادِثٌ، وكُلُّ حَادِثٍ مُتَغَيِّرٍ، والدُّنْيَا لا تَبْقَى على حَالٍ وَاحِدٍ. والمُؤْمِنُ القَوِيُّ لا يُقَابِل المَكَارِهَ بالجَزَعِ، وإِنَّمَا يُقَابِلُهَا بِالصَّبْرِ، وَرَبَاطَةِ الجَأْشِ، ويُوَاجِهُهَا باتِّخَاذِ الأَسْبَابِ المَشْرُوعَةِ لِمُوَاجَهَتِهَا مع اعْتِقَادِ أَنْ دَوَامَ الحَالِ فِي الدُّنْيَا مِنَ المُحَالِ.
وقد قَالَ الشَّاعِرُ:
الدَّهْرُ لَا يَبْقَى على حَالِهِ ... لَا بُدَّ أَنْ يُقْبِلَ أَو يُدْبِر
فإنْ أُصِبتَ بمَكْرُوْهه ... فاصْبِرْ فَإِنَّ الدَهْرَ لَا يَصْبر
ثانيًا: دَلَّ الحديث على أَنَّهُ يُسْتَحَبّ للعَبْدِ المُؤْمِنِ إذا اشْتَدَّتْ عليه الَكُرُوبُ أَنْ يَصْبِرَ، ويَلْجَأ إلى الصَّلاةِ والتَّضَرُّعِ والدُّعَاءِ، وأَنْ يَقُولَ كَمَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي"، والله أعلم.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ".
(1) "مرقاة المفاتيح": (بَابُ تَمَنِّي الْمَوْتِ"ج 3 ص 1156."
(2) ويشبه هذا كثيرًا الدُّعَاءَ الجامع المأثور عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ