أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان كَلَام الْخُصُوم بَعضهم مَعَ بعض فِيمَا لَا يُوجب شَيْئا من الْحَد وَالتَّعْزِير، وَأَرَادَ بِهَذَا أَن كَلَام بعض الْخُصُوم مَعَ بعض من غير إفحاش لَا يُوجب شَيْئا، لِأَن الْكَلَام لَا بُد مِنْهُ، وَلَكِن لَا يتَكَلَّم بَعضهم لبَعض بِكَلَام يجب فِيهِ الْحَد أَو التَّعْزِير؛ كما أفاده العيني. وقال الحافظ:"أَيْ فِيمَا لَا يُوجِبُ حَدًّا وَلَا تَعْزِيرًا فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ"اهـ.
785 -عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِم، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» قَالَ: فَقَالَ الأَشْعَثُ: فِيَّ وَاللَّهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَكَ بَيِّنَة؟ ٌ» ، قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: «احْلِفْ» ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إِلَى آخِرِ الآيَةِ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
785 -ترجمة الحديث الأَشْعَث بْن قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ وَاسمه الْأَشَجُّ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، أحد بني الحارث بن معاوية ويكنى أبا محمد. وَكَانَ اسْمُ الْأَشْعَثِ مَعْدِي كَرِبَ وَكَانَ أَبَدًا أَشْعَثَ الرَّأْسِ، فَسُمِّيَ الْأَشْعَثَ. وَفَدَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى اليمن. فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارتد فحاصره زياد بن لبيد البياضي بالنّجير حتى نزل إليه فأخذه. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ بْنِ نُفَيْدٍ قَالَ:"رَأَيْتُ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ يَوْمَ قُدِمَ بِهِ الْمَدِينَةَ فِي حَدِيدٍ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، بَعَثَ بِهِ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ وَالْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَعَلَ يَقُولُ:"يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ! مَا كَفَرْتُ بَعْدَ إِسْلَامِي، وَلَكِنِّي شَحَحْتُ عَلَى مَالِي". ثُمَّ قَالَ الْأَشْعَثُ:"أَيُّهَا الرَّجُلُ، أَطْلِقْ إِسَارِي، وَاسْتَبْقِنِي لِحَرْبِكَ، وَزَوِّجْنِي أُخْتَكَ أُمَّ فَرْوَةَ بِنْتِ أَبِي قُحَافَةَ، فَإِنِّي قَدْ تُبْتُ مِمَّا صَنَعْتُ، وَرَجَعْتُ إِلَى مَا خَرَجْتُ مِنْهُ مِنْ مَنْعِيَ الزَّكَاةَ"، فَزَوَّجَهُ أَبُو بَكْرٍ أُمَّ فَرْوَةَ."عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: لَمَّا قُدِمَ بِالْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، أُشِيرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَأَطْلَقَ وَثَاقَهُ، وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ، فَاخْتَرَطَ سَيْفُهُ وَدَخَلَ سُوقَ الْإِبِلِ، فَجَعَلَ لَا يَرَى جَمَلًا وَلَا نَاقَةً إِلَّا عَرْقَبَهُ، وَصَاحَ النَّاسُ: كَفَرَ الْأَشْعَثُ، فَلَمَّا فَرَغَ طَرَحَ سَيْفَهُ، وَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا كَفَرْتُ، وَلَكِنْ زَوَّجَنِي هَذَا الرَّجُلُ أُخْتَهُ، وَلَوْ كُنَّا فِي بِلَادِنَا كَانَتْ لَنَا وَلِيمَةٌ غَيْرُ هَذِهِ، يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، انْحَرُوا وَكُلُوا، وَيَا أَهْلَ الْإِبِلِ، تَعَالَوْا خُذُوا شِرَاءَهَا" (1) . فَوَلَدَتْ لَهُ أُمَّ فَرْوَةَ: مُحَمَّدًا وَإِسْحَاق وَإِسْمَاعِيلَ، وَحِبَّانةَ وَقُرَيْبَةَ بِنْتَ الْأَشْعَثِ. وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ مُقِيمًا حَتَّى كَانَتْ وِلَايَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى فَتْحِ الْعِرَاقِ."