فهرس الكتاب

الصفحة 472 من 2668

"كِتَابُ التَّيَمُّمِ"

تَمْهِيدٌ: جَرْيًَا عَلَى عَادَةِ المُصَنِّفِينَ فَقَدْ وَضَعَ الإِمِامُ البُخَارِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ التَّيَمُّمَ فِي المَكَانِ المُلائِمِ لَهُ بَعْدَ الوُضُوءِ والغُسْلِ ومَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا، وَقَدْ فُرِضَ التَّيَمُّمُ سَنَةَ سِتٍّ من الهَجْرَةِ عَلَى الأَرْجَحِ.

وَالتَّيَمُّمُ لُغَةً: قَصْدُ الشَّيْءِ، ومِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ) . وَشَرْعًَا: كَمَا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ:"مَسْحُ الْوَجْهِ واليَدَيْنِ بِالصَّعِيدِ"، وقال الحافظ:"هو الْقَصْدُ إِلَى الصَّعِيدِ لِمَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوهَا وَقَالَ بن السِّكِّيت: قَوْلُهُ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا: أَيِ اقْصِدُوا الصَّعِيدَ؛ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ حَتَّى صَارَ التَّيَمُّمُ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالتُّرَابِ"اهـ (1) . وهو من خَصَائِصِ هذه الأُمَّةِ التي يَسَّرَ اللهُ لَهَا أُمُورَهَا، وجَعَلَ لَهَا من الحَرَجِ فَرَجًَا، كما قَالَ تَعَالَى: (مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ) .

والحِكْمَةُ فِي التَّيَمُّم: أَنَّ اللهَ جَعَلَهُ حَلًَّا لِمُشْكِلَةِ فُقْدَانِ المَاءِ، أو عَدَمِ القُدْرَةِ عليه، وَشَرَعَهُ تَقْدِيرًَا لِظُرُوفِ الإِنْسَانِ، ومُرَاعَاةً لأَحْوَالِهِ، ومُحَافَظَةً على صِحَّتِهِ البَدَنِيَّةِ، حيث جَعَلَهُ بِالنِّسْبَةِ للمَرِيِضِ بَدِيْلًا عن المَاءِ، وَرَخَّصَ فيه عند وُجُودِ المَرَضِ بِالفِعْلِ، أو خَشْيَةَ حُدُوثِهِ، وقَدْ يَعِيبُ بَعْضُ المُغْرِضِينَ على المُسْلِمِينَ اسْتِعْمَالِ التُّرَابِ لأنَّهُ نَاقِلٌ للمَيِكْرُوبِ على حَدِّ زَعْمِهِمْ، ونَسَوُا أنَّهُ يُشْتَرَطُ فيه أَنْ يَكُونَ طَاهِرًَا نَقيًَّا، وذلك مِمَّا يَضْمُنَ السَّلامَةَ التَّامَّةَ.

ويَنُوبُ التَّيَمُّمُ عن الوُضُوءِ والغُسْلِ عند الجمهور. ويُجْزِئُ فِي دُخُولِ المَسْجْدِ وَمَسَ المُصْحَفِ والصَّلاةِ فَرْضًَا أو نَفْلًا، فَيُسْتَبَاحُ به عند الجمهور الفَرْضُ الوَاحِدُ ومَا شَاءَ من النَّوَافِلِ، ولا يُجْمَعُ بَيْنَ فَرِيضَتَيْنِ، وإِنْ تَيَمَّمَ لفَرْضٍ صَلَّى بَعَدَهُ نَفْلًا دُونَ العَكْسِ خِلافًَا لأَبِي حَنِيفَةَ. قال فِي"بدائع الصنائع":"قَالَ أَصْحَابُنَا - الحنفية:"إنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ مُطْلَقٌ وَلَيْسَ بِبَدَلٍ ضَرُورِيٍّ وَعَنَوْا بِهِ أَنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ بِالتَّيَمُّمِ إلَى وَقْتِ وُجُودِ الْمَاءِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ الْمُؤَدَّاةِ، إلَّا أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الصَّلَاةُ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ ... (وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:"الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَلَوْ إلَى عَشْرِ سِنِينَ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ"انْتَهَى (2) . فَقَدْ سَمَّى التَّيَمُّمَ وُضُوءًا وَالْوُضُوءُ مُزِيلٌ لِلْحَدَثِ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» ، وَالطَّهُورُ اسْمٌ لِلْمُطَهِّرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ يَزُولُ بِالتَّيَمُّمِ إلَّا أَنَّ زَوَالَهُ مُؤَقَّتٌ إلَى غَايَةِ وُجُودِ الْمَاءِ، فَإِذَا وُجِدَ الْمَاءُ يَعُودُ الْحَدَثُ السَّابِقُ لَكِنْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا فِي الْمَاضِي، فَلَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ الْمُؤَدَّاةِ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يُبْنَى التَّيَمُّمُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ أَنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا"اهـ (3) ."

وقال فِي"الاستذكار":"وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ فَقَالَ: مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَاللَّيْثُ: ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ يَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ يَمْسَحُهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ. يَمْسَحُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت