الإمام أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاسانِي؛ علاء الدين الحنفي. فِي منتصف شَوَّال سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة وجد على نسخة بخطه من البدائع شعر:
سَبَقْتُ العَالَمِينَ إلى المَعَالِي ** بِصَائِبِ فِكْرَةٍ وعُلُوِّ هِمَّه
ولاحَ بِحِكْمَتِي نُورُ الهُدى فِي ** لَيَالٍ بالظَّلامَةِ مُدْلَهِمَّه
يُرِيدُ الجَاحِدُونَ لِيُطْفِئُوهُ ** فَيَأبَى اللهُ إلا أنْ يُتِمَّه
تَفَقَّهَ صَاحب الْبَدَائِع على مُحَمَّد بن أَحْمد بن أبِي أَحْمد السَّمرقَنْدِي المنعوت عَلَاء الدّين وَقَرَأَ عَلَيْهِ مُعظم تصانيفه مثل التُّحْفَة فِي الْفِقْه وَغَيرهَا من كتب الْأُصُول وزوجه شَيْخه ابْنَته الفقيهة العالمة. قِيلَ إِنَّ سَبَبَ تَزْوِيجِهِ بابنة شَيْخِهِ أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ حَفِظَتْ التُّحْفَةَ تَصِنِيفِ وَالدِهَا وطَلَبَهَا جمَاَعَةٌ من مُلُوكِ بِلَادِ الرّوْمِ فَامْتَنَعَ والدها فجَاءَ الكَاسَانِي وَلزِمَ والدها واشتغل عَلَيْهِ وبرع فِي علم الْأُصُول وَالْفُرُوع وصَنَّف كتاب الْبَدَائِع وَهُوَ شَرْح التُّحْفَةِ وَعرضه على شَيْخه فازداد فَرحا بِهِ وزوجه ابْنَته وَجعل مَهْرَهَا مِنْهُ ذَلِك فَقَالَ الْفُقَهَاء فِي عَصْرِهِ:"شَرَحَ تُحْفَتَهُ وزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ". وَأُرْسل رَسُولًا من مَلِكِ الرّوْمِ إِلَى نُورِ الدِّينِ مَحْمُود بِحَلَبَ وَسبب ذَلِك أَنَّهُ تَنَاظَرَ مَعَ فَقِيه بِبِلَاد الرّوم في مسئلة المجتهدان هَل هُمَا مُصِيبَانِ أمْ أَحَدُهُمَا مُخْطِئٌ؟ فَقَالَ الْفَقِيهُ:"الْمَنْقُول عَن أبِي حَنِيفَةَ رَضِي الله عَنهُ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ"؛ فَقَالَ الكَاسَانِي: لَا بل الصَّحِيحُ عَن أبِي حَنِيفَةَ أَنَّ أَحَدَ الْمُجْتَهدَيْنِ مُصِيبٌ وَالْآخَرُ مُخْطِئٌ؛ وَالْحَقُّ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهَذَا الذى تَقوله مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَجرى بَينهمَا كَلَام فِي ذَلِك فَرَفَعَ الكَاسَانِي على الْفَقِيهِ المَقْرَعَةَ فَقَالَ مَلُكُ الرُّوم: هَذَا افتات على الْفَقِيه فاصرفه عَنَّا! فَقَالَ الْوَزير: هَذَا رجلٌ كَبِيرٌ ومَحْتَرمٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصْرَف بل تُنْفِذَهُ رَسُولًا إِلَى الْمَلِكِ نور الدّين مَحْمُود؛ فَأُرْسِلَ إِلَى حَلَبَ. وَكَانَ قبل ذَلِك قدم الرضي السَّرخسِيّ صَاحب الْمُحِيط إِلَى حَلَبَ فولاه نور الدّين الحلاوية وَاتفقَ عَزله كَمَا ذكرته فِي تَرْجَمَتِهِ فَوَلَّى السُّلْطَانُ صَاحِبَ الْبَدَائِعِ الحلاوية عوضه بِطَلَب الْفُقَهَاء ذَلِك مِنْهُ فَتَلقاهُ الْفُقَهَاء وَكَانُوا فِي غيبته يبسطون لَهُ السجادة ويَجْلِسُونَ حَوْلَهَا فِي كل يَوْم إِلَى أَن يقدم لَهُ؛ وَله غير الْبَدَائِعِ من المصَنَّفَاتِ مِنْهَا"السُّلْطَان الْمُبين فِي أُصُولِ الدّينِ".
قَالَ ابْن العديم: سَمِعْتُ أَبَا عبد الله مُحَمَّدًا قَاضِي الْعَسْكَرِ يَقُولُ: لَمَّا قَدِمَ الكَاسَانِي إِلَى دمشق حضر إِلَيْهِ الْفُقَهَاء وطلبوا مِنْهُ الْكَلَام مَعَهم فِي مسئلة فَقَالَ: لَا أَتكَلّم فِي مسئلة فِيهَا خلاف أَصْحَابنَا فعينوا مسئلة. قَالَ: فعينوا مسَائِل كَثِيرَة فَجعل كلما ذكر مسَائِل يَقُول ذَهَبَ إِلَيْهَا من أَصْحَابنَا فلَان وَفُلَان فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِك حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا مَسْئَلَةً إِلَّا وَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهَا وَاحِد من أَصْحَابنَا أَي أَصْحَاب أبِي حَنِيفَةَ؛ فانْفَضَّ الْمَجْلِسُ على ذَلِك.