قال الحافظ فِي"الفتح":"وَالْوَصَايَا جَمْعُ وَصِيَّةٍ (1) كَالْهَدَايَا وَتُطْلَقُ عَلَى فِعْلِ الْمُوصِي وَعَلَى مَا يُوصِي بِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ عَهْدٍ وَنَحْوِهِ فَتَكُونُ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ وَهُوَ الْإِيصَاءُ وَتَكُونُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ الِاسْمُ. وَفِي الشَّرْعِ: عَهْدٌ خَاصٌّ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ؛ وَقَدْ يَصْحَبُهُ التَّبَرُّعُ. وَسُمِّيَتْ وَصِيَّةً: لِأَنَّ الْمَيِّتَ يَصِلُ بِهَا مَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ. وَتُطْلَقُ شَرْعًا أَيْضًا عَلَى مَا يَقَعُ بِهِ الزَّجْرُ عَنِ الْمَنْهِيَّاتِ وَالْحَثُّ عَلَى الْمَأْمُورَاتِ" (2) .
وقال فِي"تيسير العلام":"وهى مَشْرُوعَةٌ بالكتاب، لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيكم إذَا حَضَرَ أحَدَكُم المَوتُ إن تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيّة} . وَمَشْرُوعَةٌ بالسُّنَّة لهذه الأحاديث الآتية وإجماع المسلمين فِي جَمِيعِ الأَعْصَارِ والأَمْصَارِ. وهي من لطف الله بعباده ورحمته بِهِم، حينَمَا أباح لهم من أموالهم عند خروجهم من الدُّنْيَا أَنْ يتزودوا لآخرتِهِمْ بِنَصِيبٍ منها"اهـ (3) .
وقال القاري:"وَالوَصِيَّةُ لغة: إيْصَالُ شَيْءٍ لِإنْسَانٍ مَا غائبًا أو حاضرًا، مالًا أو غيره، فيدخل فِي ذلك: إيْصَالُ السَّلامِ والنَّصِيحَةُ والعِقَابُ، والأَمْرُ والنَّهْيُ، والمَالُ والطَّعَامُ، مأخوذة من وصَّيته وأَوْصَيته إذا أوصلته إليه."
والوصية شرعًا لها معنيان: (أ) معنى عام (ب) ومعنى خاص.
(أ) فأمَّا الوَصِيَّةُ بالمعنى العام: فَهِيَ كُلُّ مَا تُقَدِّمَهُ لغيرك لكي ينتفع به، سَوَاءٌ كان عِلْمًَا أو أَدَبًَا أو أخلاقًا أو مالًا، قال القاري: وقد تستعمل الوَصِيَّةُ بِمَعْنَى النَّصِيحَة، ومنه قوله تعالى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)
(ب) وأمَّا الوَصِيَّةُ بالمعنى الخاص فإنَّها تأتِي لمعنيين:
الأوَّل: أَنْ يُعَيِّنَ المَيِّتُ قَبْلَ مَوْتِهِ وَصِيًَّا على أولاده القاصرين، يشرف عليهم، ويَحْفْظُ لَهْمْ أموالهم بعد وفاته.
الثَّانِي: أَنْ يَهَبَ لإِنْسَانٍ ما عَيْنًَا أو دَيْنًَا أو مَنْفَعَةً يَمْلِكُهَا بعد وفاته" (4) ."
ويدخل فِي النَّوْعِ الثَّانِي من الوَصِيَّةِ ما يهبه الإِنْسَانُ بعد وفاته من المال لجهة من الجهات الخيرية: كبناء مسجد، أو إنشاء مستشفى، أو غير ذلك من أعمال البر.
ومن المُلاحَظُ أَنَّ البُخَارِيّ قد أدخل فِي كتابه هذا (كتابُ الوَصَايَا) جَمِيعِ أنْوَاعِ الوَصَايَا، سَوَاءٌ كانت بالمعنى العام أو الخاص حيث نَجِدُ فيه كثيرًا من المَوَاعِظِ والزَّوَاجِرِ والنَّصَائحِ البليغة.
(1) وَصِيَّةٌ من: أَوْصَى يُوْصِي إيْصَاءً، وَوَصِيَّة ووصى يُوصي توصية، وَذَلِكَ موصى إِلَيْهِ، وَأوصى لفُلَان بِكَذَا أَي: جعل لَهُ من مَاله، وَذَلِكَ موصى لَهُ. والوصاية: بِفَتْح الْوَاو بِمَعْنى الْوَصِيَّة، وبكسرها مصدرٌ. وَأوصى إِلَى فلَان بِكَذَا: أَي جعله وَصِيّا؛ وَذَلِكَ موصى إِلَيْهِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: أَوْصَيْتَ لَهُ بِشَيْءٍ وَأَوْصَيْتَ إِلَيْهِ