أَيْ: هَذَا بَابٌ فِي بَيَانِ شُرْبِ اللَّبَنِ. وَضَعَ هَذِه التَّرْجَمَةَ للرَّدِّ على قَوْلِ من قَالَ:"إِنَّ الْكَثِيرَ مِنْ شُرْبِ اللَّبَنِ يُسْكِر، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء". قَالَ الْمُهلب: شُرْبُ اللَّبَنِ حَلَالٌ بِكِتَاب الله تَعَالَى، وَلَيْسَ قَول من قَالَ: إِنَّ الْكثيرَ مِنْهُ يُسْكِرُ، بِشَيْءٍ. وَقَالَ ابْن بطال:"إِنَّمَا كَانَ السُّكْر مِنْهُ لصِناعةٍ تَدْخُله"؛ كما أفاده العيني.
1104 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، تَغْدُو بِإِنَاءٍ، وَتَرُوحُ بِآخَرَ» ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1104 - الحديث: أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ.
معنى الحديث: يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللِّقْحَةُ"بكسر اللام وفتحها، وسكون القاف وهي النَّاقُةُ الحَلُوبُ قُرْبَ الوِلادَةِ."الصَّفِيُّ"الحَلُوبُ التي تَحْلِبُ لَبَنًَا كَثِيرًَا."مِنْحَةً"بكسر الميم، وسكون النون والنَّصْبِ على التَّمْيِّيزِ، والمعنى أَنَّ من أَفْضَلِ الصَّدَقَاتِ المَحْمُودَةِ أَنْ تُعِيرَ نَاقَتِكَ الحَلُوبُ قُرْبَ وِلادَتِهَا لِغَيْرِكَ، فَتَلِدُ عنده، وتَبْقَى لَدَيْهِ يَشْرَبُ من لَبَنِهَا، ويَتَغَذَّى منها، حَتَّى إذا انتهى لَبَنُهَا رَدَّهَا عليك."وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً"أي وكذلك مِنْ أَفْضَلِ الصَّدَقَاتِ المَحْمُودَةِ إِعَارَةِ الشَّاةِ الصَّفِيِّ التي"تَغْدُو بِإِنَاءٍ، وَتَرُوحُ بِآخَرَ"أي التي تَحْلِبُ فِي الصَّباح إناءً، وفِي المَسَاءِ إِناءً.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: فَضْلُ المَنِيحَةِ واسْتِحْبَابِهَا، وكَوْنِهَا مِنْ أَفْضَلِّ الأَعْمَالِ.
ثانيًا: دَلَّ الحَدِيثُ على فَضْلِ اللَّبَنِ، وأنَّهُ مِنْ أَفْضَلِّ المَوَادِ الغِذَائِيَةِ للإِنْسَانِ، كما يُؤَكِّد ذلك قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"تَغْدُو بِإِنَاءٍ، وَتَرُوحُ بِآخَرَ"وحَسْبُكَ أنَّهُ شَرَابُ الْمُؤْمِنِينَ الذي اختاره الله لنبيّنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولأمته حيث أخذ اللَّبَنَ ليلة أُسْرِيَ به فَقَالَ جِبْرِيلُ:"الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ، وَلَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ.
قال ابن القيم:"وَاللَّبَنُ الْمُطْلَقُ أَنْفَعُ الْمَشْرُوبَاتِ لِلْبَدَنِ الْإِنْسَانِيِّ لِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ التَّغْذِيَةِ وَالدَّمَوِيَّةِ، وَلِاعْتِيَادِهِ حَالَ الطُّفُولِيَّةِ، وَمُوَافَقَتِهِ لِلْفِطْرَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْحَامِضُ مِنْهُ بَطِيءُ الِاسْتِمْرَاءِ، خَامُ الْخِلْطِ، وَالْمَعِدَةُ الحارة تهضمه وتنتفع به. واقرأ إن شئت قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ