"بابٌ"
"أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَطَوْلِهِ، وَقُوَّتِهِ وَحَوْلِهِ، ضَمِنَ بَقَاءَ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَجَعَلَ السَّبَبَ فِي بَقَائِهِمْ بَقَاءَ عُلَمَائِهِمْ، وَاقْتِدَاءَهُمْ بِأَئِمَّتِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ، وَجَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَعَ عُلَمَائِهَا، كَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ مَعَ أَنْبِيَائِهَا، وَأَظْهَرَ فِي كُلِّ طَبَقَةٍ مِنْ فُقَهَائِهَا أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهَا، وَيُنْتَهَى إلَى رَأْيِهَا، وَجَعَلَ فِي سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَئِمَّةً مِنْ الْأَعْلَامِ، مُهْدٍ بِهِمْ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ، وَأَوْضَحَ بِهِمْ مُشْكِلَاتِ الْأَحْكَامِ، اتِّفَاقُهُمْ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَاخْتِلَافُهُمْ رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ، تَحْيَا الْقُلُوبُ بِأَخْبَارِهِمْ، وَتَحْصُلُ السَّعَادَةُ بِاقْتِفَاءِ آثَارِهِمْ، ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْهُمْ نَفَرًا أَعْلَى أَقْدَارَهُمْ وَمَنَاصِبَهُمْ وَأَبْقَى ذِكْرَهُمْ وَمَذَاهِبَهُمْ فَعَلَى أَقْوَالِهِمْ مَدَارُ الْأَحْكَامِ، وَبِمَذَاهِبِهِمْ يُفْتِي فُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ"اهـ.
الإِمَامُ أَبُو حَنِيْفَةَ"النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ"رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
هو النُّعْمَانُ بْن ثَابِت بن زُوْطَى بِضَم الزَّاي وَسُكُون الْوَاو وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَبعدهَا ألف مَقْصُورَة - اسْمٌ نَبَطِيٌّ - ابْن ماه الإِمَامُ العَلَمُ الْكُوفِيُّ الْفَقِيهُ مولى بني تَميمِ الله بنِ ثَعْلَبَة. ولد سنة ثَمَانِينَ من الْهِجْرَة؛ وَتُوفِّي فِي نصف شَوَّال، وَقيل فِي رَجَب، وَقيل فِي شعْبَان، سنة خمسين وَمِائَة. وَرَأى أنس بن مَالك غير مَرَّةٍ بِالْكُوفَةِ قَالَه بن سعد. وروى أَبُو حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَن عَطاء بن أبي رَباح وَقَالَ:"مَا رَأَيْت أفضل مِنْهُ". وَعَن: عَطِيَّة العَوفي ونافعٍ وسلمَة بن كُهيلٍ وَأبي جَعْفَر الباقر وعدي بن ثابتٍ وقَتادة وَعبد الرَّحْمَن بن هُرمز الْأَعْرَج وَعَمْرو بن دِينَار وَمَنْصُور وَأبي الزبير وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، وَعدد كثير. وَتَفَقَّه بِحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَغَيره، وَبَرَعَ وسَادَ فِي الرَّأْي أهل زَمَانه فِي: الْفِقْه والتَّفريع للمسائل، وتَصَدَّرَ للإشغال. وَتَخَرَّجَ بِهِ الْأَصْحَاب؛ فَمن تلامذته: زُفر بن الهُذيل الْعَنْبَري، وَالْقَاضِي أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الأَنْصَاريّ قَاضِي الْقُضَاة، ونوح بن أبي مَرْيَم المَرْوَزِيّ، وَأَبُو مُطِيع الحَكَم بن عبد الله الْبَلْخِي، وَالْحسن بن زِيَاد اللؤْلُؤِي، وَأسد الدّين بن عَمْرو، وَمُحَمّد بن الحسن، وَحَمَّاد بن أَبِي حَنِيْفَةَ، وخَلْقٌ. قَالَ ابْن معِين:"ثِقَةٌ"؛ وَقيل:"قَالَ: لَا بَأْس بِهِ لم يُتَّهَمْ بِكَذِبٍ". قَالَ أَبُو يُوسُف:"قَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ: عِلْمُنَا هَذَا رأيٌ وَهُوَ أحسن مَا قَدرنَا عَلَيْهِ؛ فَمن جَاءَنَا بأحسنَ مِنْهُ قبلناه!".
قال فِي"وفيات الأعيان":"جدُّه زوطى من أهل كابل، وقيل بابل، وقيل من أهل الأنبار، وقيل من أهل"نَسَا"، وقيل من أهل"تِرْمِذ"، وهو الذي مَسَّهُ الرِّق فأعتق، وَوُلِد ثابت على الإسلام. وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة:"النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، من أبناء فارس من الأحرار، والله ما وقع علينا رِقٌّ قط. ولد جَدَّي سنة ثمانين، وذهب ثابتٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهو صغير، فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ونحن نرجو أنْ يكون الله تعالى قد استجاب ذلك لعليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فينا.