الأَضَاحِيِّ (1) : جَمْعُ أُضْحِيَةٍ؛ والأُضْحِيَةُ شَرْعًَا:"مَا يُذْبَحُ أيَّامَ عِيدِ الأَضْحَى فِي أيَّامِ النَّحْرِ، تَقَرُّبًَا إلى اللهِ تَعَالَى بِنِيّةِ الأُضْحِيَةِ"، وهي مَشْرُوعَةٌ بِالكِتَابِ والسُنَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) . وقَدْ ثَبَتَ فِي الأحَادِيثِ الكَثِيرَةِ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى وَضَحَّى المُسْلِمُونَ، وشُرِعَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ من الهِجْرَةِ. وحُكْمُهَا: أنَّهَا سُنَّةٌ مُؤكَّدَةٌ يُكْرَهُ تَرْكُهَا مَعَ الْقُدْرَةِ، والمَالِكِيَّةُ:"يَرَوْنَ أنَّها سُنَّةٌ مُؤكَّدَةٌ يُقَاتَلُ أَهْلُ الْبَلَدِ على تَرْكِهَا كما يُقَاتَلُونَ على تَرْكِ الأَذَانِ"اهـ.
قال الحافظ فِي"الفتح":"وَكَأَنَّهُ تَرْجَمَ بِالسُّنَّةِ إِشَارَةً إِلَى مُخَالَفَةِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا. قَالَ بن حَزْمٍ:"لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ؛ وَصَحَّ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَنِ الْجُمْهُورِ. وَلَا خِلَافَ فِي كَوْنِهَا مِنْ شَرَائِعِ الدِّينِ؛ وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ:"تَجِبُ عَلَى الْمُقِيمِ الْمُوسِرِ"؛ وَعَنْ مَالِكٍ مِثْلَهُ فِي رِوَايَةٍ لَكِنْ لَمْ يُقَيَّدْ بِالْمُقِيمِ. وَنُقِلَ عَنِ الْأَوْزَاعِيّ وَرَبِيعَةَ وَاللَّيْثِ مِثْلُهُ. وَخَالَفَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَوَافَقَا الْجُمْهُورَ.
وَقَالَ أَحْمَدُ:"يُكْرَهُ تَرْكُهَا مَعَ الْقُدْرَةِ"؛ وَعَنْهُ وَاجِبَة. ٌ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ:"هِيَ سُنَّةٌ غَيْرُ مُرَخَّصٍ فِي تَرْكِهَا". قَالَ الطَّحَاوِيُّ:"وَبِهِ نَأْخُذُ؛ وَلَيْسَ فِي الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا"اهـ (2) .
أمَّا شُرُوطُ سُنِّيَتِهَا فَهِيَ:
(أ) القُدْرَةُ عليها، فلا تُسَنُّ على عَاجِزٍ. قال فِي"الموسوعة الفقهية":"مَنْ لَمْ تَجِبِ التَّضْحِيَةُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَوَفُّرِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِهَا عِنْدَ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ، وَلِعَدَمِ تَوَفُّرِ شُرُوطِ السُّنِّيَّةِ عِنْدَ مَنْ قَال بِأَنَّهَا سُنَّةٌ، فَالأُضْحِيَّةُ تُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ تَطَوُّعًا. وَمِنَ الْقَائِلِينَ بِالسُّنِّيَّةِ مَنْ يَجْعَلُهَا سُنَّةَ عَيْنٍ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ، وَسُنَّةَ كِفَايَةٍ فِي حَقِّ أَهْل الْبَيْتِ الْوَاحِدِ، وَهَذَا رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ الشَّخْصَ يُضَحِّي بِالأُضْحِيَّةِ الْوَاحِدَةِ - وَلَوْ كَانَتْ شَاةً - عَنْ نَفْسِهِ وَأَهْل بَيْتِهِ. ومن بين شُرُوطُ وُجُوبِ الأُضْحِيَّةِ أَوْ سُنِّيَّتُهَا: الْغِنَى - وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْيَسَارِ - لِحَدِيثِ {مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنَا} (3) وَالسَّعَةُ هِيَ الْغِنَى، وَيَتَحَقَّقُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِ الإِنْسَانِ مِائَتَا دِرْهَمٍ أَوْ عِشْرُونَ دِينَارًا، أَوْ شَيْءٌ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ ذَلِكَ، سِوَى مَسْكَنِهِ وَحَوَائِجِهِ الأَصْلِيَّةِ وَدُيُونِهِ (4) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَتَحَقَّقُ الْغِنَى بِأَلاَّ تُجْحِفَ الأُضْحِيَّةُ بِالْمُضَحِّي، بِأَلاَّ يَحْتَاجَ لِثَمَنِهَا فِي ضَرُورِيَّاتِهِ فِي عَامِهِ (5) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ:"إِنَّمَا تُسَنُّ لِلْقَادِرِ عَلَيْهَا، وَهُوَ مَنْ