844 -عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:"قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ» ، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ» ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
844 -الحديث: أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ.
معنى الحديث: أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم سَألَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ إيِمَانًَا، وأَعْلَى دَرَجَةً، وأعْظَمُ مَثُوبَةً وأَجْرًَا عند اللهِ تَعَالَى، فَأَجَابَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ أفضل الْمُؤْمِنِينَ رجلٌ مُؤْمِنٌ قام بِمَا يَجِبُ عليه نَحْو دينه وأَدَّى حَقّ اللهِ عليه، ثُمَّ جَاهَدَ بنفسه وماله لِإعلاء كلمة الله ونصرة دينه، فقال بَعْضُ الصَّحَابَةِ: ثُمَّ مَنْ؟ أي من يليه في الأفضلية، فَأَجَابَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بأنَّهُ يليه فِي الأَفْضَلِيَّةِ رجل"مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ"أي مُؤْمِنٌ رأى فساد المجتمع وانتشار المُنْكَرَاتِ فيه، وشعر بأنَّه لا يستطيع أداء شعائر دينه، وخاف الفتنة، فاعتزل النَّاس، فعاش في شِعْبٍ من الشِّعَابِ - وهو ما انفرج بين الجبلين -، والمراد أنَّهُ ابْتَعَدَ عن النَّاسِ ليَسْلَمَ مِنْ شَرِّهِمْ وفِتْنَتِهِمْ حَيْثُ يَتَّقِي اللهَ ويَتَمَكَّنْ من طاعته وعبادته.
قال النووي:"فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِتَفْضِيلِ الْعُزْلَةِ عَلَى الِاخْتِلَاطِ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَشْهُورٌ. فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الِاخْتِلَاطَ أَفْضَلُ بِشَرْطِ رَجَاءِ السَّلَامَةِ مِنَ الْفِتَنِ؛ وَمَذْهَبُ طَوَائِفَ أَنَّ الِاعْتِزَالَ أَفْضَلَ. وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاعْتِزَالِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ أَوْ هُوَ فِيمَنْ لَا يَسْلَمُ النَّاسُ مِنْهُ وَلَا يَصْبِرُ عَلَيْهِمْ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْخُصُوصِ وَقَدْ كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَجَمَاهِيرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ مُخْتَلِطِينَ فَيُحَصِّلُونَ مَنَافِعَ الِاخْتِلَاطِ كَشُهُودِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْجَنَائِزِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَحِلَقِ الذِّكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ"اهـ (1) . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَحِلُّ فِيهِ الْعَزْبَةُ، وَلَا يَسْلَمُ لِذِي دِينٍ دِينُهُ إِلَّا مَنْ فَرَّ بِدِينِهِ مِنْ شَاهِقٍ إِلَى شَاهِقٍ أَوْ مِنْ جُحْرٍ إِلَى جُحْرٍ، كَالطَّائِرِ يَفِرُّ بِفِرَاخِهِ، وَكَالثَّعْلَبِ بِأَشْبَالِهِ" (2) .
والمطابقة: فِي كَوْنِ التَّرْجَمَةِ جُزْءًَا من الحَدِيثِ.