أيْ هذا بَابٌ يُذْكَرُ فِيهِ أَنَّ الجُنُبَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ عند وُجُودِ المَاء إذا خَافَ أَنْ يَحْدُثَ لَهُ من المَاءِ ضَرَرٌ فِي نَفْسِهِ؛ إِمَّا بِحُدُوثِ مَرَضٍ مُتْلِفٍ، أوْ مَوْتٍ مُحَقَّقٍ أو عَطَشٍ بِأَنْ لا يَكُون لَدَيْهِ إلاّ قَلِيلٌ من المَاءِ، فإذا اغْتَسَلَ به عَطِشَ ولَمْ يَجِدْ غَيْرَه، فإنَّهُ يَجُوزُ لَهَ التَّيَمُّم فِي هذه الحَالاتِ، ولَوْ مع وُجُودِ المَاءِ لِفَقْدِهِ القُدْرَة على اسْتِعْمَالِهِ.
197 -قَالَ البُخَارِيّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:"وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ:"أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَتَيَمَّمَ وَتَلاَ: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ"."
ـــــــــــــــــــــــــــــ
197 -ترجمة الحديث عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ السَّهْمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. أَسْلَمَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهَاجِرًا فِي هِلَالِ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَصَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، وَبَعْثَهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إِلَى سُوَاعٍ صَنَمِ هُذَيْلٍ فَهَدَمَهُ، وَبَعْثَهُ أَيْضًا إِلَى جَيْفَرٍ وَعَبْدٍ ابْنَيِ الْجَلَنْدَا وَكَانَا مِنَ الْأَزْدِ بِعُمَانَ يَدْعُوهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمْرٌو بِعُمَانَ، فَخَرَجَ مِنْهَا، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَبَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَحَدَ الْأُمَرَاءِ إِلَى الشَّامِ، فَتَوَلَّى مَا تَوَلَّى مِنْ فَتْحِهَا، وَشَهِدَ الْيَرْمُوكَ.
وَولَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِلَسْطِينَ وَمَا وَالَاهَا، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَسِيرَ إِلَى مِصْرَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةٍ، فَفَتَحَ مِصْرَ، وَولَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِصْرَ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَولَّاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِصْرَ سِنِينَ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَقَدِمَ عَمْرٌو الْمَدِينَةَ، فَأَقَامَ بِهَا، فَلَمَّا نَشِبَ النَّاسُ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ بِهَا فِي أَرْضٍ لَهُ بِالسَّبَعِ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَصَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ يُظْهِرُ الطَّلَبَ بِدَمِ عُثْمَانَ، وَشَهِدَ مَعَهُ صِفِّينَ، ثُمَّ وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ مِصْرَ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا وَالِيًا، وَابْتَنَى بِهَا دَارًا، وَنَزَلَهَا إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا يَوْمَ الْفِطْرِ سَنَةَ، ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ، فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، صلى عَلَيْهِ ابْنه عبد الله، ثُمَّ صَلَّى الْعِيدَ بِالنَّاسِ. وَدُفِنَ بِالْمُقَطَّمِ مَقْبَرَةِ أَهْلِ مِصْرَ، وَهُوَ سَفْحُ الْجَبَلِ، وَقَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: «أَجْلِسُونِي» فَأَجْلَسُوهُ، فَأَوْصَى: «إِذَا رَأَيْتُمُونِي قَدْ قُبِضْتُ فَخُذُوا فِي جَهَازِي، وَكَفِّنُونِي فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، وَشُدُّوا إِزَارِي، فَإِنِّي مُخَاصَمٌ، وَأَلْحِدُوا لِي، وَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ، وَأَسْرِعُوا بِي إِلَى حُفْرَتِي» ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بِأَشْيَاءَ فَتَرَكَهَا، وَنَهَيْتَهُ عَنْ أَشْيَاءَ فَارْتَكَبَهَا، فَلَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» ثَلَاثًا، جَامِعًا يَدَيْهِ مُعْتَصِمًا بِهِمَا حَتَّى قُبِضَ.