فهرس الكتاب

الصفحة 1313 من 2668

"أَبْوَابُ المُحْصَرِ"

وهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ لِمَنْ وَقَعَ عليه إِحْصَارٌ شَرْعِيٌّ مَنَعَهُ عَنْ حَجَّهِ أوْ عُمْرَتِهِ.

والإِحْصَارُ لغةً: المنع، وشرعًا: ينقسم إلى إِحْصَارٍ عن العمرة وسيأتي، وَإِحْصَارٍ عن الحَجِّ. وهو ما سنوضحه هنا: فالإِحْصَارُ عن الحَجِّ: اختلف الفُقَهَاءُ فِي مَعْنَاهُ وفِي سَبَبِهِ.

أمَّا مَعْنَاهُ: فإن الفُقَهَاء فيه على مَذْهَبَيْنِ:

الأَوَّل: مَذْهَبُ مَالِكٍ وأَبِي حَنِيْفَةَ ومَنْ وَافَقَهُمْ: وهُمْ يَرَوْنَ أنَّ الإِحْصَارَ هُوَ أَنْ يُمْنَعَ الحَاجُّ عَنِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وطَوَافِ الإِفَاضَةِ، فَمَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الرُّكْنَيْنِ فهو مُحْصَرٌ يَتَحَلَّلُ مِنْ إِحْرَامِهِ ويَحْلِقُ رَأْسَهُ فِي المَكَانِ الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ. وإِنْ قَدَرَ على أَحَدِ الرُّكْنَيْنِ فليس بِمُحْصَرٍ ولا سَبِيلَ إلى تَحَلُّلِهِ (1) ، ويَبْقَى مُحْرِمًَا أبَدًَا حتَّى يَطُوفَ للزِّيَارَةِ، قال فِي"الإِفْصَاح": وعليه دم لترك الوقوف بالمزدلفة إن لم يكن وقف بِهَا (2) ، وعليه دم لرمي الجمار إنْ لم يكن رماها، وكذلك لتأخير الحلق، وعليه دم لتأخير طواف الزِّيارة عن أيّام النَّحْرِ عند أَبِي حَنِيْفَةَ، وعند مالك يجب عليه دم لتَأخِيرِ طَوَافِ الزَّيَارَةِ إلى مُحَرَّمٍ" (3) ."

الثَّانِي: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ومَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ: وهُمْ يَرَوْنَ أنَّ الإِحْصَارَ هُوَ أَنْ يُمْنَعَ الحَاجُّ عَنْ إِتْمَامِ مَنَاسِكِ الحَجِّ مُطْلَقًَا سَوَاءٌ وقع له هذا المنع قبل الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أو بعد الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. وَسَوَاءٌ طَافَ بِالبَيْتِ أوْ لَمْ يَطُفْ، فَإِنَّ هذا كُلّهُ سَوَاءٌ، لقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) حيث أطلق الحكم وَلَمْ يُقَيِّدُه. قال فِي"الإفصاح":"والصَّحيح عندي فِي هذه المسألة ما ذهب إليه الشَّافِعِيّ فِي قَوْلِهِ الجديد وَأَحْمَدُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) محمول على العموم فِي حق كل من أحصر، سواء كان قبل الوقوف أو بعده، بمَكَّة أو بغيرها، وسواء كان طاف بالبيت أو لم يطف، فإنَّ له أن يتحلل كما قال تَعَالَى، لأنَّهُ سُبْحَانَهُ أطلق ذلك ولَمْ يُخَصِّصْهُ؛ حيث قَالَ: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) وفيه إضْمَارٌ، ومعناه (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) عن إتمام الحج والعمرة وأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما تيسر من الْهَدْيِ"اهـ (4) .

وأما سبب الإحصار: فَإِنَّ الجمهور يَرَوْنَ أنَّ الإِحْصَارَ لا يكون إلاّ بسبب الْعَدُوِّ خَاصَّةً، وهو مَذْهَب مالك والشَّافِعِيّ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ، لأنَّ الآية نزلت فِي حصر النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه فِي الحُدَيْبِيَةِ مِنَ الْعَدُوِّ، قال الشَّافِعِيّ (5) :"فمن حال بينه وبين البيت مرضٌ حابسٌ فليس بداخل في معنى الآية، لأَنَّها نزلت فِي الحائل من الْعَدُوِّ، ذكره البَيْهَقِيّ، بدليل قوله تعالى: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ) والأمن لا يكون إلاّ من الْعَدُوِّ. عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أَنَّهُ قَالَ:"الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ لاَ يَحِلُّ، حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى لُبْسِ شَيْءٍ مِنَ الثِّيَابِ الَّتِي لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهَا، أَوِ الدَّوَاءِ، صَنَعَ ذَلِكَ وَافْتَدَى"؛ أَخْرَجَهُ مالك فِي"الموطأ"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت