828 -عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ (1) بَيْنَهُمْ» ".
ـــــــــــــــــــــــــــــ
828 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدُ والنَّسَائِيُّ بألفاظ مختلفة.
معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا"أي وقعت بينهم خُصُومَةً شَدِيدَةً"حَتَّى تَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ"أي أدّت إلى الاشتباك بالأيدي والضَّربِ بِالحِجَارَةِ، حتَّى تَرَامَتْ أخبارهم إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمدينة"فَقَالَ: اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ"أي فخرج إليهم النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جماعة من أصحابه، للإصلاح بينهم. وروي في سبب ذلك"قَوْلُ السُّدِّيُّ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهَا:"أُمُّ زَيْدٍ"تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ الْأَنْصَارِ، فَتَخَاصَمَتْ مَعَ زَوْجِهَا، أَرَادَتْ أَنْ تَزُورَ قَوْمَهَا فَحَبَسَهَا زَوْجُهَا وَجَعَلَهَا فِي عِلِّيَّةٍ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ بَعَثَتْ إِلَى قَوْمِهَا، فَجَاءَ قَوْمُهَا فَأَنْزَلُوهَا لِيَنْطَلِقُوا بِهَا، فَخَرَجَ الرَّجُلُ فَاسْتَغَاثَ أَهْلَهُ فَخَرَجَ بَنُو عَمِّهِ لِيَحُولُوا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأَهْلِهَا، فَتَدَافَعُوا وَتَجَالَدُوا بِالنِّعَالِ، فَنَزَلَتِ الْآيَة"اهـ (2) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي: دَلَّ هذا الحديث على مَشْرُوعِيَّةِ خروج الإمام عند حدوث النِّزَاعِ والخِصَامِ، وتفاقم الأمر، للإصلاح بين الطَّرَفَيْنِ المتنازعين، وهو مصداق قوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) . قال القرطبي:"قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَا تَخْلُو الْفِئَتَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي اقْتِتَالِهِمَا، إِمَّا أَنْ يَقْتَتِلَا عَلَى سبيل البغي منهما جميعًا أَوْ لا. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُمْشَى بَيْنَهُمَا بِمَا يُصْلِحُ ذَاتَ الْبَيْنِ وَيُثَمِّرُ الْمُكَافَّةَ وَالْمُوَادَعَةَ. فَإِنْ لَمْ يَتَحَاجَزَا وَلَمْ يَصْطَلِحَا وَأَقَامَتَا عَلَى الْبَغْيِ صِيرَ إِلَى مُقَاتَلَتِهِمَا. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا بَاغِيَةً عَلَى الْأُخْرَى، فَالْوَاجِبُ أَنْ تُقَاتَلَ فِئَةُ الْبَغْيِ إِلَى أَنْ تَكُفَّ وَتَتُوبَ، فَإِنْ فَعَلَتْ أُصْلِحَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا بِالْقِسْطِ وَالْعَدْلِ. فَإِنِ الْتَحَمَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمَا لِشُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِمَا وَكِلْتَاهُمَا عِنْدَ أَنْفُسِهِمَا مُحِقَّةٌ، فَالْوَاجِبُ إِزَالَةُ الشُّبْهَةِ بِالْحُجَّةِ النَّيِّرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ عَلَى مَرَاشِدِ الْحَقِّ. فَإِنْ رَكِبَتَا مَتْنَ اللَّجَاجِ وَلَمْ تَعْمَلَا عَلَى شَاكِلَةِ مَا هُدِيَتَا إِلَيْهِ وَنُصِحَتَا بِهِ مِنَ اتِّبَاعِ الْحَقِّ بَعْدَ وُضُوحِهِ لَهُمَا فَقَدْ لَحِقَتَا بالفئتين الباغيتين. والله أعلم" (3) .
والمطابقة: في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ".