854 -عَنِ الْبَراء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ، وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ:"
لولا أَنْتَ ما اهْتَدَيْنَا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا
فَأنْزِلِ السَّكِيْنَةَ عَلَيْنَا ... وَثبَتِ الأقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا
إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنَا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
854 -الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدُ والنَّسَائِيُّ بألفاظ.
معنى الحديث: أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يُشَارِكُ أَصْحَابَهُ فِي حَفْرِ الخَنْدَقِ، ويعمل معهم بيده الشَّرِيفَةِ فَيَحْمِلُ التُّرَابَ كما يَحْمِلُونَ، ويَنْقُلَهُ كما يَنْقُلُونَ، حتَّى سَتَرَ التُّرَابَ بَيَاضَ بَطْنِه، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يشجعهم ويبعث الحماس فِي نُفُوسِهم بِمَا ينشده من الشِّعْرِ الإِسْلامِيِّ الذي يُقَوّي العَزَائِمَ ويَشْحَذُ الهِمَمَ"فَيَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لولا أنْتَ ما اهْتَدَيْنَا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا"فيحمد الله ويثني عليه على ما أنعم به عليهم من الهِدَايَةِ والتَّوْفِيقِ إلى جَمْيِعِ الأعْمَالِ الصَّالِحَةِ التي لولا اللهُ ما اهْتَدَوْا إليها، ثُمَّ يقول:"فَأنْزِلِ السَّكِيْنَةَ عَلَيْنَا ... وَثبَتِ الأقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا"فيسأل الله أنْ يملأ قلوبهم طُمَأْنِينَةَ وأَمْنًَا، وأنْ يُثَبِّت أقدامهم عند ملاقاة أعدائهم ثُمَّ يقول:"إنَّ الأُلَى قد بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أرَادُوا فِتْنَةً أبَيْنَا" (1) يعني أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُحَارِبُونَنَا اليوم، ويريدون هَزِيمَتَنا وفِتْنَتَنَا، والقضاء علينا؛ لنْ يتمكنوا مِنَّا، لأنَّنَا نُجَاهِدُ لِإعْلاءِ كلمة الله، والله معنا."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أَنَّ مِنَ الخُطَطِ الحَرْبِيَّةِ النَّاجِحَةِ فِي هذه الغَزْوَةِ حَفْر الخَنْدَقِ (2) ، وكان الذي أشار على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالخَنْدَقِ هو سَلْمَان الفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكانت أول مشهد شهده مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد تحرره، حَيْثُ"قَالَ سَلْمَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنّا إذْ كُنّا بِأَرْضِ فَارِسَ وَتَخَوّفْنَا الْخَيْلَ خَنْدَقْنَا عَلَيْنَا، فَهَلْ لَك يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ نُخَنْدِقَ؟ فَأَعْجَبَ رَأْيُ سَلْمَانَ الْمُسْلِمِينَ"اهـ (3) . ويُشَكِّلُ الخَنْدَقُ نصف دائرة، طرفها الغربِي غربِي مسجد المُصَلَّى، والشَّرْقِيِّ عند مبتدأ حَرَّة واقم فِي الشمال الشرقي، قال المطري من علماء القرن الثَّامِن الهجري بالمدينة:"وقد عفا أَثَرُ الخَنْدَقِ اليوم، ولَمْ يَبْقَ منه شَيْءٌ يُعْرَفُ إلا ناحيته، لأَنَّ وادي بَطْحَانَ اسْتَوْلَى على مَوْضِعِ الخَنْدَقِ، وصار موضعه في الخَنْدَقِ"اهـ.