الحديث: أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ.
معنى الحديث: يَقُولُ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"كَانَ أَبُو طَلْحَةَ"زَوْج أُمِّ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما"لاَ يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أيْ لا يَصُومُ صِيامَ التَّطَوُّعِ فِي زمن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو يُقَلِّلُ منه"مِنْ أَجْلِ الغَزْوِ"أي مِنْ أَجْلِ الاستعداد للغَزْوِ والتَّقَوِّي عليه، عَمَلًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"تَقَوَّوْا لِعَدُوِّكُمْ" (1) يعني بالإِفطار."فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا إِلَّا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى"أي فَلَمَّا مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وانْتَشَرَ الدِّينُ، وقَوِيَ الإِسْلامُ ورأى أَنَّ الجِهَادَ قد أصبح فَرْضُ كِفَايَةٍ لا فَرْضُ عَيْنٍ بدأ يأخذ بِحَظِّهِ من الصَّوْمِ، ليجمع بين الحُسْنَيَيْنِ، ويأتي بالعِبَادَتَيْنِ، فحرص على الإكثار من الصِّيام، حتَّى أنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَرَاهُ مُفْطِرًَا إلا فِي العِيدَيْنِ اللَّذَيْنِ حَرَّمَ اللهُ صَوْمَهُما: عيد الفِطْرِ وعيد الأَضْحَى.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: فَضْلُ الجِهَادِ على الصَّوْمِ وأَنَّهُ يُسْتَحَبّ للمجاهد أنْ يترك الصَّوْمَ وأَنْ يُفْطِرَ ليستعد للجهاد، ويقوي جسمه عليه، كما كان يفعل أَبُو طَلْحَةَ وإنْ تَأَكَّدَ من قدرته على الجَمْعِ بينهما دُونَ ضَعْفٍ أو وَهَنٍ أو إِرْهَاقٍ، فالصَّوْم أفضل لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا"أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ. ولا تعارض بين حديث الباب وهذا الحديث، بَلْ يُمْكِنُ الجَمْعُ بينهما بِأَنْ يُحْمَلَ حديث الباب على من خَشِيَ على نفسه أنْ يَضْعُفَ عن الجهاد بسبب الصَّوْمِ، ويُحْمَلُ الحديث الآخر على مَنْ لا يُضْعِفُهُ الصَّوْم عن القتال، فيستحب له الجَمْعُ بَيْنَهًما.
ثانيًا: مَشْرُوعِيَّةُ كَثْرَةِ الصِّيامِ وفَضْلِه، وحِرْصُ أَصْحَابِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه، كما دَلَّ عليه حديث الباب، حيث كان أَبُو طَلْحَةَ بعد وَفَاةِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يُرَى مُفْطِرًَا إلاّ فِي العِيدَيْنِ، وهو كِنَايَةٌ عن كَثْرَةِ الصِّيامِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"كَانَ أَبُو طَلْحَةَ لاَ يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْلِ الغَزْوِ".
(1) قال فِي"سنن أبي داود -ن":"قال الألباني: صحيح".