وَ"الشَّرِكَةُ": بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَقَدْ تُحْذَفُ الْهَاءُ وَقَدْ يُفْتَحُ أَوَّلُهُ مَعَ ذَلِكَ فَتِلْكَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ؛ هِيَ خَلْطُ أَحَدِ المَالَيْنِ بالآخر بِحَيْثُ لا يَتَمَيَّزَانِ عَنْ بَعْضِهِمَا أو يَتَمَيَّزَانِ.
وَهِيَ شَرْعًا: مَا يَحْدُثُ بِالِاخْتِيَارِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ الِاخْتِلَاطِ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ. وقيل: هِيَ ثُبُوتُ الْحقِّ لاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ كَيفَ كَانَ؛ وَلِذَا قَدْ تَحْصُلُ بِغَيْرِ قَصْدٍ كَالْإِرْثِ. وَهِي على نَوْعَيْنِ:
النَّوْع الأَوَّلِ: شَرِكَةُ الْمِلْكِ: وَهِي أَنْ يَمْلِكَ اثْنَانِ عَيْنًا أَو إِرْثًا أَو شِرَاءً أَو هِبَةً أَو مِلْكًا بِالِاسْتِيلَاءِ، أَو اخْتَلَط مَالُهُمَا بِغَيْر صُنْعٍ، أَو خلطاه خلطًا بِحَيْثُ يَعْسُر التَّمْيِيز أَو يتَعَذَّر. فَكُلُّ هَذَا شَرِكَةُ مِلْكٍ؛ وكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَجْنَبِيٌ فِي قسط صَاحبه.
وَالنَّوْع الثَّانِي: شَرِكَةُ العَقْدِ: وَهِيَ أَنْ يَقُول أَحَدُهُمَا شَارَكْتُكَ فِي كَذَا، وَيَقْبَلُ الآخَرُ. وَهِيَ على أَرْبَعَة أَنْوَاع: مُفَاوَضَة، وعنان، وَتقبل، وَشركَة وُجُوه.
(وتنقسم شركة العقود إلى أربعةِ أقسامٍ:
الأُوْلَى: شركة العِنان: بكسر العين من عَنَّ الشَيْءُ ظهر؛ إمَّا لأنَّها أظهر الأَنْواع؛ أوْ لأنَّه ظهر لكلٍّ منهما مال الآخر. وهي أن يشترك اثنان أو أكثر بمالين أو أموال على الاتجار فيها، واقتسام الربح بينهما أو بينهم؛ على ما اصطلحا عليه واشترطا. أو يشترك اثنان بمالهما على أنْ يعمل أحدهما فقط، بشرط أنْ يكون للعامل جُزْءٌ أكثر من الرِّبْحِ مقابل عمله، وهي جائزةٌ صحيحةٌ عند الجمهور.
الثَّانِيَةُ: شركة الأبدان: وهي أنْ يشترك عاملان أو أكثر، ويتَّفقا على العمل بأبدانهما وما يرزقانه من الأجر بينهما؛ كشركة الحمالين وسائر المحترفة ليكون كسبهما متساويًا أو متفاوتًا مع اتفاق الصنعة واختلافها، وهي جائزة صحيحة عند الجمهور، خلافًا للشَّافِعِيِّ؛ إلا أنَّ مالكًا اشترط:"الاتفاق في العمل الواحد، والصِّناعة الواحدة، كحَدَّادٍ وحَدَّادٍ".
الثَّالِثَةُ: شركة المفاوضة: بأنْ يشترك اثنان بأنْ يكون بينهما كسبهما بأموالهما أو أبدانهما وعليهما ما يعرض من مَغْرَمٍ، وسميت مفاوضة من تفاوضا فِي الحديث شرعا فيه جميعًا؛ وهي الاشتراك في استثمار المال مع تفويض كل واحد منهما أو منهم لصاحبه فِي البيع والشِّراء والتَّوْكيل. وهي جائزةٌ صحيحةٌ عند مالك وأَبِي حَنِيْفَةَ، إلاّ أنَّ أبا حنيفة اشترط:"أنْ تكون بين مُسْلِمين حُرَّيْنِ جائزي التَّصَرُّفِ. وأنْ يكون المالان متساويين وَالتَّصَرُّفَ متساويًا والرِّبْح متساويًا. وأنْ لا يبيعا من جنسِ مالِ الشَّرِكَةِ شيئًا إلاّ ويُدْخِلانه في الشَّرِكَةِ. وأن يضمن كل منهما صاحبه في البيع والشراء. وأن يكون كل ما يشتريانه على الشركة عدا طعام أهلهم وأولادهم"اهـ.
الرَّابعةُ: شَرِكَةُ الوُجُوهِ: كأن يشترك وجيهان عند النَّاسِ ليبتاع كلٌّ منهما بمُؤجَلٍ، ويكون المبتاع لهما؛ فإذا باعا كان الفاضل عن الأثمان بينهما. وهي جائزة عند أحْمَدَ وأَبِي حَنِيْفَةَ؛ خِلافًَا لمالك والشَّافِعِيّ.